تغلغل “صناعة التفاهة” في الفضاء الرقمي.. استهلاك مفرط يهدد الناشئة

أظهرت البيانات والتقارير الأكاديمية الصادرة لعامي 2024 و2026 تحولا جذريا في السلوك اليومي للمواطنين المغاربة نحو الفضاء الافتراضي. وتغلغل المحتويات التافهة والسطحية خاصة وسط الناشئة.
ارتفاع استخدام المنصات الرقمية
وقفزت نسبة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بالمملكة إلى 86% من إجمالي السكان بحسب معطيات “بارومتر 2026” الصادر عن مؤسسة “سونيرجيا” بزيادة قدرها خمس نقاط مئوية مقارنة بالعام السابق.
وتتقاطع هذه الأرقام مع تقرير “DataReportal” لعام 2024 الذي كشف أن عدد مستخدمي الإنترنت بالمغرب بلغ نحو 34.47 مليون شخص. بنسبة تغلغل تصل إلى 90.7% من السكان. في حين وصل عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي إلى 21.20 مليون شخص.
وتشير البيانات الإحصائية إلى أن 61.5% من مستخدمي الإنترنت بالمغرب يتفاعلون مع منصة تواصل واحدة على الأقل. مع وصول نسبة مستخدمي الفضاء الرقمي من البالغين إلى 77.7%، ينقسمون جندريا إلى 57.7% من الذكور و42.3% من الإناث.
تغلغل رقمي.. أرض خصبة لصناعة التفاهة
وقد وفر هذا التغلغل الواسع أرضية خصبة لتمدد ما يوصف بـ “صناعة التفاهة” والمحتويات الهابطة. في ظل اتساع ملكية الهواتف المحمولة لتشمل 96% من المغاربة فوق سن الخمس سنوات.
وتعكس خريطة الاستهلاك الافتراضي توجها متزايدا نحو المنصات البصرية القصيرة والسريعة. حيث يواصل تطبيق “واتساب” الصدارة بنسبة استخدام تبلغ 83%. يليه “فيسبوك” بنسبة 64%، ثم “يوتيوب” بنسبة 48%، و”إنستغرام” بنسبة 47%.
بينما يبلغ انتشار منصة “تيك توك” 32% عموما. ويرتفع إلى نسبة قياسية تصل إلى 58% في صفوف الشباب بين 18 و24 عاما. مستفيدا من أعلى نسب نمو إلى جانب “سناب شات”.
وفي السياق الميداني نفسه، أظهرت دراسة صادرة بمجلة “ابن خلدون” شملت عينة من المتعلمين أن 90% منهم يمتلكون حسابات على “فيسبوك”. و80% على “واتساب”، و44% على “يوتيوب”، و32% على “تويتر”.
كما بينت الأرقام أن 40% من المتعلمين يواظبون على استخدام هذه الشبكات منذ 3 سنوات. و38% منذ سنة واحدة، مما يظهر أن الناشئة درجت على التعامل مع الوسائط الرقمية في سن مبكرة جدا.
ويعزى هذا التمدد اللافت حسب خبراء للمواد السطحية إلى آليات “اقتصاد الانتباه”. والتواطؤ البنيوي بين خوارزميات المنصات وصناع المحتوى والفاعلين الاقتصاديين. حيث تُكافئ الخوارزميات المقاطع التي تثير الصدمة أو الفضول وتعتمد الإثارة الرخيصة أو تفاصيل الحياة الشخصية لضمان بقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة.
محتويات تافهة تنال حصة الأسد من المشاهدات
وفي هذا الصدد، أوردت التقارير المتخصصة الصادرة عن مؤسسة “Statista” أن أكثر من 57% من المشاهدات على منصة “يوتيوب” تذهب للمحتويات الترفيهية والسطحية. بينما لا تتجاوز نسبة مشاهدة الفيديوهات التعليمية 16%.
ويتعزز هذا الانحياز التقني بضخ إعلاني ضخم، إذ تشير تقديرات “eMarketer” إلى أن الإنفاق الإعلاني العالمي المرتبط بالمحتويات الترفيهية السطحية تجاوز 455 مليار دولار. مما يحول صناعة المواد الهابطة إلى نموذج استثماري يُدر أرباحا سريعة على حساب العمق المعرفي.
تفاهة تهدد تفكير الناشئة
ويرى باحثون في علم الاجتماع أن هذا الاستهلاك المفرط للمحتويات التافهة يتسبب في ظواهر سيكولوجية ومعرفية خطيرة. من أبرزها تشكل “الضبابية العقلية” لدى الناشئة، وتراجع التفكير النقدي، والاعتماد على الدوبامين الناتج عن التمرير السريع للمقاطع القصيرة.
ويخلق هذا الوضع مفارقة حادة في المشهد الرقمي المغربي. حيث تحصد المقاطع المبنية على الفضائح والمشاحنات المفتعلة ملايين المشاهدات في ظرف وجيز. بينما تعاني المنصات التثقيفية والتوجيهية الجادة من حصار رقمي وضعف في التفاعل يحد من انتشارها.
نحو بدائل رقمية ترسخ الوعي وتنافس التفاهة
وأمام هذه التحديات القيمية والتربوية، تُشدد التوصيات والأبحاث الأكاديمية على ضرورة الانتقال من التشخيص إلى بناء بدائل رقمية هادفة. تستخدم الأدوات التقنية الحديثة نفسها من إنتاج احترافي واختصار ذكي لمنافسة السائد.
كما تدعو الدراسات إلى تظافر جهود المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني لترسيخ الوعي الرقمي والتثقيف الإعلامي لدى الأسر والشباب. بما يضمن بناء مناعة معلوماتية تُعيد التوازن إلى المجال العام الافتراضي وتحمي الهوية المجتمعية.




