مقالات رأي

المسجد الأقصى في قبضة الإغلاق الإسرائيلي المستمر – محمد مصطفى شاهين

لا يزال المسجد الأقصى المبارك يئن تحت وطأة الإغلاق الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من أسبوعين في شهر رمضان المبارك وفي أيام العشر الأواخر التي كانت يوماً ما موسم الاعتكاف والتراويح والقنوت لم يحدث هذا منذ احتلال القدس عام 1967 فاليوم تُغلق أبوابه أمام المصلين وتُمنع صلاة الجمعة وتُحرم الباحات من أصوات التكبير بذريعة حالة الطوارئ المرتبطة بالتصعيد الإقليمي هذا ليس إجراءً أمنياً عابراً بل هو حلقة جديدة في سلسلة الاعتداءات المنهجية على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهو يعكس استراتيجية الاحتلال في فرض واقع جديد على المقدسات الإسلامية.

إن استمرار هذا الإغلاق يحمل تبعات خطيرة على المستويين الفلسطيني والعربي الإسلامي أولها تصعيد التوتر في القدس المحتلة حيث يتحول الحرم القدسي الشريف إلى منطقة عسكرية مغلقة يحيط بها الجنود والحواجز ويُمنع منها حتى الموظفون والحراس هذا يعني حرمان عشرات الآلاف من الفلسطينيين خاصة أهل الضفة الغربية والقدس من أداء الشعائر في أيام الرحمة والمغفرة مما يولد شعوراً بالغضب المكبوت الذي قد ينفجر في أشكال مقاومة جديدة ثانياً التبعات الإنسانية والاجتماعية إذ يصبح رمضان الذي كان موسم الفرح والاجتماع مناسبة للشعور بالحصار والعزلة خاصة مع إغلاق الأسواق في البلدة القديمة ومنع الاعتكاف هذا ليس مجرد انتهاك للحرية الدينية بل هو محاولة لتفريغ المسجد من حضور المسلمين تمهيداً لفرض سيطرة أخرى.

أما الانعكاسات السياسية فأعمق وأخطر يُظهر الإغلاق المستمر ضعف الرد العربي والإسلامي الرسمي رغم الاستنكارات والإدانات من دول مثل الأردن والسعودية ومصر وتركيا وغيرها فالبيانات المشتركة تؤكد الانتهاك الصارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم لكنها لا تتجاوز الكلمات إلى الفعل هذا يعزز صورة الصمت العربي أمام الرأي العام الفلسطيني والإسلامي ويفتح الباب أمام الشعوب للتساؤل أين نصرة الأقصى أين الفعل الجماعي الذي يردع الاحتلال وفي الوقت نفسه يستغل الاحتلال هذا الإغلاق ليروج لروايته أمام الرأي العام الدولي مدعياً أن الأمن يبرر كل شيء بينما يتجاهل أن هذه الخطوة تُعد انتهاكاً للقانون الدولي والإنساني كما أكدت وزارات خارجية عدة.

وهناك مخاطر التقسيم الزماني والمكاني الذي يلوح في الأفق فالإغلاق الكامل يُعد فرصة ذهبية لمنظمات الهيكل المتطرفة للضغط على حكومة الاحتلال كي تفتح المسجد أمام اليهود فقط أو لتقسيمه زمانياً صلاة المسلمين في أوقات محدودة واليهود في أخرى ومكانياً تقسيم الباحات بين الطرفين هذا التقسيم الذي حذرنا منه مراراً ليس مجرد فكرة بل سياسة مدروسة تُطبق تدريجياً منذ سنوات ويأتي الإغلاق الحالي ليُسرّع تنفيذها تحت غطاء الطوارئ إنها خطوة نحو التهويد الكامل للقدس ومحاولة لتغيير الواقع الديني والتاريخي للحرم الشريف الذي يُعد رمزاً للهوية الإسلامية والعربية.

في هذا السياق يجب أن تكون نصرة الأقصى ليست مجرد شعار بل برنامج عمل على الشعوب العربية والإسلامية أن تتحرك في الشارع والإعلام والدبلوماسية وأن تضغط على حكوماتها لاتخاذ مواقف عملية قطع العلاقات الاقتصادية مع الاحتلال ودعم المقاومة الفلسطينية الصامدة ورفع القضية إلى المحاكم الدولية بقوة أكبر أما الفلسطينيون أنفسهم فصمودهم في القدس والبلدة القديمة هو الرد الأقوى فالأقصى لن يُحرر بالكلمات وحدها بل بالوعي والوحدة والتضحية.

الأقصى اليوم حزين مآذنه تصدح في ساحات خالية لكنه لن يبقى كذلك إلى الأبد فالتاريخ يشهد أن المقدسات لا تسقط والشعوب الحية لا تنسى الدعوة مفتوحة لكل حر انصروا الأقصى ففي نصرته نصرة للأمة كلها.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى