الحمودي: العلاقات الأمنية مع الكيان “شراكة وظيفية” والتطبيع يواجه عيوبا بنيوية

قدّم الدكتور إسماعيل الحمودي، الباحث في العلاقات الدولية تشخيصا قانونيا وسياسيا لحصيلة خمس سنوات من التطبيع في المجالين الأمني والعسكري، معتبرا أن ما جرى لا يمكن وصفه بـ”التحالف الاستراتيجي” بل هو “شراكة وظيفية” محكومة بسياقات ظرفية وتكتيكية.
وأوضح الحمودي خلال مداخلة له بندوة نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين مساء أمس الخميس، أن العلاقات بين المغرب والكيان الإسرائيلي تُدار عبر ما يسمى في القانون الدولي بـ”المبنى المرن” (Soft Law) ، وهو ما يفسر غياب “المعاهدات الملزمة” واستبدالها بـ”مذكرات تفاهم” و”إعلانات مشتركة”.
واستدل أستاذ العلوم السياسية على ذلك، في ندوة المجموعة «خمس سنوات على التطبيع: الراهن والمآلات»، بالوثيقة التأسيسية (الإعلان الثلاثي) التي لم تتضمن إشارة صريحة للتعاون العسكري، بل تركت الباب مفتوحا لاتفاقات لاحقة.
وأكد الحمودي، في مداخلته التي جاءت بعنوان “التعاون العسكري والأمني بين المغرب والكيان الصهيوني: شراكة وظيفية،” أن وضعية المغرب تختلف عن الإمارات؛ فالأخيرة وقعت “معاهدة سلام” (صلبة قانونا)، بينما التزم المغرب بـ”إعلان” يمنح الدولة هامشا للمناورة والتكيف مع المتغيرات الإقليمية.
واعتبر الأستاذ الجامعي بجامعة فاس أن اللجوء للاتفاقات المرنة يهدف إلى إبقاء هذا التعاون بعيدا عن رقابة البرلمان والرأي العام، وتقليص الكلفة السياسية الناتجة عن الرفض الشعبي.
وكشف الدكتور الحمودي أن الولايات المتحدة هي “الضامن والمحرك” لهذه الاتفاقات عبر تقنية “توسيع الكعكة”، حيث تقدم واشنطن حوافز عسكرية (مثل درونات للمغرب أو طائرات F-35 للإمارات) لتعزيز الالتزامات.

ومع ذلك، سجل الباحث أن الكثير من هذه الوعود العسكرية الأمريكية لا تزال “معلقة” ولم تتحقق بالكامل على أرض الواقع. ويظل كيان الاحتلال الإسرائيلي طرفا “شبه سلبي” في تقديم الحوافز، حيث أن أغلب التقنيات الأمنية كان يمكن الحصول عليها قبل التطبيع (مثل صفقات الدرونات في 2014).
وشدد الدكتور إسماعيل الحمودي على أن ما يسمى بـ”اتفاقات إبراهيم” تعاني من عيوب جوهرية تهدد استمراريتها، وأجملها في الانتقال من السلام إلى التحالف حيث تحول الاتفاقات إلى إطار لبناء تحالفات ضد قوى إقليمية أخرى جعلها عرضة للفشل بمجرد تغير الاستراتيجيات (مثل المصالحة السعودية الإيرانية التي أسقطت فاعلية التحالف الإماراتي الإسرائيلي).
وتابع المتحدث “الاعتماد المفرط على واشنطن يشكل غياب القيمة المضافة الذاتية للكيان الصهيوني في هذه الاتفاقات بعيدا عن الغطاء الأمريكي”. مؤكدا أن الرفض الشعبي الواسع، الذي تعزز بشكل راديكالي بعد 7 أكتوبر، جعل من هذه الاتفاقات “عبئا سياسيا” على الدول المطبعة.
وأضاف أستاذ التعليم العالي أن السرعة الكبيرة في تغيير التحالفات من الصراع إلى المصالحة تدفع الدول للبحث عن بدائل أخرى كالتوجه الإماراتي نحو الهند، مما يفرغ “اتفاقات إبراهيم” من جدواها الوظيفية.
وخلص الحمودي إلى أن التعاون القائم يظل ضمن “خطة عمل مشتركة” تفتقر للتفاصيل التقنية والعملياتية الدقيقة، مما يعكس رغبة الأطراف في الحفاظ على “مساحة تراجع” وتفادي الحرج السياسي، مؤكدا أن أحداث غزة كشفت عن “محدودية الضغوط الأمريكية” وفشل مشاريع الدمج العسكري الإقليمي التي كان يطمح إليها الكونغرس.
يذكر أن مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين نظمت مساء أمس الخميس 22 يناير 2026 بمقرها بالرباط، ندوة وطنية تحت عنوان «خمس سنوات على التطبيع: الراهن والمآلات»، شارك فيها نخبة من الأكاديميين والباحثين والفاعلين، وذلك تزامنا مع الذكرى الخامسة لإعلان التطبيع الرسمي بين المغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي.




