أصداء الجمع العامالرئيسية-مقالات رأي

الجمع العام الثامن لحركة التوحيد والإصلاح رسائل هامة في التفكير والتدبير – عبد الهادي باباخويا

ليست الجموع العامة في حياة الحركات الإصلاحية، مجرد مواعيد دورية لتجديد المسؤوليات، أو محطات إجرائية لعرض التقارير والمصادقة على المخططات، بل هي في جوهرها، لحظات كاشفة عن طبيعة البناء المؤسسي، ومدى رسوخ المبادئ الناظمة للعلاقة بين الفكرة والتنظيم، وبين المسؤولية والمحاسبة، وبين الاختلاف ووحدة الصف.

ومن هذا المنظور، مثّل الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح، الذي امتدت أشغاله على مدى ثلاثة أيام، مناسبة لاستجلاء جملة من الرسائل التنظيمية والتربوية والفكرية، التي تتجاوز تفاصيل جدول الأعمال، لتلامس أسئلة الإصلاح المؤسسي، وتجديد القيادة وتداول المسؤولية، واستمرار الوفاء للمشروع، والقدرة على تحويل القيم المعلنة إلى ممارسات ملموسة.

وقد عرفت الجلسة الافتتاحية حضور شخصيات وطنية ودولية، وجمهور غفير من عموم المواطنين، كما شهدت تكريم العلامة د.أحمد الريسوني، أحد مؤسسي الحركة وقادتها، في لحظة استحضرت ذاكرة التأسيس وكرّمت عطاء أحد رجالاتها. وتوالت بعد ذلك جلسات تعديل القانون الأساسي والنظام الداخلي، وعرض التقريرين الأدبي والمالي والتصويت عليهما، وانتخاب الرئيس وأعضاء المكتب التنفيذي الجديد، ثم عرض مشروع المخطط الاستراتيجي المحيّن والمصادقة عليه، وصولًا إلى تلاوة البيان الختامي واختتام الأشغال في أجواء غلبت عليها معاني الأخوة والمحبة والاحترام.

غير أن القيمة الأعمق لهذه المحطة، لا تكمن في عدد جلساتها أو تنوع مقرراتها فحسب، وإنما في الرسائل التي حملتها، والدلالات التي كشفت عنها، والدروس التي يمكن استخلاصها من وقائعها ومشاهدها.

أولًا- الوفاء لجيل التأسيس وصناعة الذاكرة المؤسسية:

من أبرز رسائل الجمع العام الثامن احتفاؤه برجالات التأسيس وقيادات الحركة الذين أسهموا في بناء تجربتها وتطويرها. وقد تجلى ذلك في تكريم العلامة د.أحمد الريسوني، فضلًا عن حضور ستة من رؤساء الحركة لأشغال الجمع العام، في مشهد يجسد معاني الوفاء والعرفان، واستمرار الصلة بين الأجيال.

إن تكريم المؤسسين ليس مجرد تقليد احتفالي، ولا هو استعادة عاطفية للماضي، بل هو تعبير عن وعي المؤسسة بأن حاضرها لا ينفصل عن تاريخها، وأن التجارب الإصلاحية لا تُبنى من فراغ، وإنما تتراكم عبر جهود أجيال متعاقبة، لكل منها إسهامها واجتهادها ونصيبها من التضحيات. فالذاكرة المؤسسية ليست ترفًا، بل شرط من شروط التعلم والاستمرار، لأنها تمنح المؤسسة القدرة على فهم مسارها، وتجنب أخطائها واستثمار خبراتها.

ومن ثم، فإن استحضار المؤسسين يحمل دلالتين متكاملتين:

       – الاعتراف بفضل السابقين

       – صيانة الذاكرة التنظيمية من النسيان أو الاختزال

فالمؤسسة التي لا تحفظ ذاكرتها، معرضة لأن تبدأ من الصفر مع كل قيادة جديدة، أما المؤسسة التي تستوعب تاريخها، فتستطيع أن تجدّد نفسها دون أن تفقد بوصلتها.

لكن الوفاء الحقيقي لا يعني تحويل التجربة السابقة إلى نموذج مغلق، أو جعل رموز التأسيس مرجعية تمنع المراجعة والتطوير، بل يعني استلهام روح التجربة، والتمييز بين المبادئ الثابتة والاجتهادات المتغيرة، حتى يظل الماضي مصدرًا للإلهام لا قيدًا على المستقبل.

وهنا تتجلى إحدى معادلات الإصلاح الكبرى: أن نكون أوفياء للجذور دون أن نكون أسرى لها، وأن نجدد الوسائل دون أن نفرط في المقاصد.

ثانيًا- انتظام الجموع العامة واستقرار الشرعية التنظيمية:

من الرسائل المهمة التي تستحق الوقوف عندها، انتظام مواعيد الجموع العامة للحركة منذ تأسيسها سنة 1996، وفق ما يستحضره المسار التنظيمي للتجربة. فهذا الانتظام يعكس أهمية احترام القواعد والمواعيد، والاستحقاقات التي ينص عليها البناء المؤسسي.

إن احترام المواعيد التنظيمية ليس مسألة إجرائية هامشية، بل هو أحد المؤشرات العملية على خضوع المؤسسة للقانون الذي ارتضته لنفسها، وعلى عدم تحويل المسؤوليات إلى مواقع مفتوحة المدة، أو ربط استمرارها بإرادة الأشخاص وتقديراتهم الخاصة.

فالمؤسسة الإصلاحية مثل غيرها من المؤسسات، لا تُختبر فقط حين تسير الأمور في ظروف مريحة، وإنما تُختبر خصوصًا حين يحين موعد تجديد قيادتها، وحين تتطلب المصلحة الجماعية انتقال المسؤولية من شخص إلى آخر، أو مراجعة بعض الاختيارات التنظيمية.

ومن هذه الزاوية، فإن انتظام الجمع العام يجسد مبدأ أساسيًا في البناء المؤسسي: لا أحد فوق القواعد المنظمة، ولا تُختزل المؤسسة في الأشخاص الذين يتولون تدبير شؤونها في مرحلة معينة. وكلما ترسخ هذا المبدأ، أمكن بناء الثقة الداخلية، وتحصين التنظيم من الشخصنة، وإرساء ثقافة تجعل الشرعية مستمدة من القواعد والإجراءات المتوافق عليها، لا من طول البقاء في المسؤولية أو المكانة الاعتبارية للأشخاص.

ومع ذلك، فإن الانتظام القانوني على أهميته، يظل شرطًا ضروريًا غير كافي، إذ لا تكتمل قيمته إلا حين يقترن بفعالية المشاركة، وشفافية التدبير وجودة القرار، وقدرة المؤسسة على تجديد نفسها والاستجابة لتحولات الواقع.

ثالثًا- عرض الحصيلة ومبدأ المسؤولية المقترنة بالمحاسبة:

شكّل عرض التقريرين الأدبي والمالي ومناقشتهما والتصويت عليهما، إحدى المحطات الأساسية في أشغال الجمع العام. وتنبع أهمية هذه العملية من كونها تضع التجربة التنظيمية أمام أعضائها، وتتيح لهم الاطلاع على حصيلة المرحلة، ومناقشة اختياراتها وتقييم منجزاتها، واستحضار ما اعترضها من تحديات وصعوبات.

إن التقرير الأدبي ليس مجرد جرد للأنشطة، كما أن التقرير المالي ليس مجرد عرض للأرقام والمداخيل والنفقات، فكلاهما ينبغي أن يكون أداة لتقييم الأداء، وقياس مدى الوفاء للأهداف، واستجلاء العلاقة بين الموارد المتاحة والنتائج المحققة.

ومن هنا، تتجلى قاعدة مؤسسية مهمة: المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، والمحاسبة ليست انتقاصًا من المسؤول، بل ضمانة لسلامة المؤسسة واستمرارها. فالمسؤول الذي يعرض حصيلته على هيئة تنظيمية تملك حق المناقشة والتقييم، إنما يمارس المسؤولية في إطارها الطبيعي. كما أن الأعضاء الذين يناقشون الحصيلة، لا يؤدون وظيفة الاعتراض المجرد، بل يشاركون في حماية المشروع وتقويم مساره.

وتتطلب هذه الثقافة أن تتجاوز المناقشة الثنائية، بين الدفاع عن المنجزات وتسجيل الملاحظات، إلى مساءلة أعمق عن الأثر: ما الذي تحقق فعلًا..؟ وما الذي تعثر..؟ وما الأسباب..؟ وهل كانت الوسائل مناسبة للأهداف..؟ وما الدروس التي ينبغي أن تنعكس على المخطط الاستراتيجي المقبل..؟

وبهذا المعنى، لا تنتهي وظيفة التقرير بمجرد التصويت عليه، وإنما تبدأ قيمته الحقيقية حين تتحول خلاصاته إلى دروس عملية، وتوصيات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات تساعد على تحسين الأداء في المرحلة اللاحقة.

رابعًا- انتخاب قيادة شابة ودلالة سيادة المؤسسة:

لعل من أبرز محطات الجمع العام الثامن، انتخاب رئيس شاب لقيادة المرحلة المقبلة، وعدم التجديد للرئيس السابق، رغم ما يوصف به أداؤه من حصيلة مشرفة. وتستمد هذه المحطة أهميتها من كونها تجسد مبدأ تداول المسؤولية، وتؤكد أن تقدير حصيلة المسؤول السابق، لا يعني بالضرورة استمرار تكليفه، كما أن عدم التجديد له لا يستلزم إنكار ما قدمه أو التقليل من قيمة جهوده.

ففي منطق المؤسسات، ينبغي التمييز بين تقييم التجربة المنتهية، واختيار القيادة الملائمة للمرحلة المقبلة. قد تكون حصيلة مسؤول ما إيجابية، ومع ذلك يختار الجمع العام الانتقال إلى قيادة أخرى، استجابة لتقدير جماعي لأولويات المرحلة أو لحاجات التجديد والتطوير.

إن الجمع العام، حين يمارس صلاحياته في اختيار القيادة وفق القواعد المعتمدة، يبرهن على أن المؤسسة أكبر من الأشخاص، وأن المواقع التنظيمية ليست استحقاقًا دائمًا لأحد، مهما كانت مكانته أو أقدميته أو حجم إسهامه. وهنا ينبغي التأكيد أن تجديد القيادة لا يكتسب قيمته لمجرد كون الرئيس الجديد شابًا، فالشباب ليس فضيلة تنظيمية مكتملة بذاتها، كما أن التقدم في السن ليس مانعًا من العطاء. وإنما تكمن أهمية هذا الانتقال في ما يتيحه من تجديد للأفكار، وتوسيع لفرص تحمل المسؤولية، واستثمار لكفاءات جديدة، مع ضمان انتقال الخبرة واستمرار التراكم المؤسسي.

إن الرهان الحقيقي أمام القيادة الجديدة، ليس أن تكون مختلفة في العمر فحسب، بل أن تقدم إضافة نوعية في الرؤية والأداء، وأن تحسن قراءة التحولات الاجتماعية والثقافية، وأن تمتلك القدرة على تطوير أدوات العمل الإصلاحي وتجديد صلته بالمجتمع، ولا سيما الأجيال الشابة.

فالمؤسسة التي تتجدد قيادتها دون أن تقطع مع خبرتها، وتستثمر شبابها دون أن تهدر رصيدها، تكون أقدر على الجمع بين الاستمرارية والتجديد.

خامسًا- الشورى والديمقراطية التنظيمية وقوة المبادئ:

لم تقتصر المشاركة على انتخاب الرئيس وأعضاء المكتب التنفيذي، بل امتدت إلى نقاشات متعددة شملت تعديل القانون الأساسي والنظام الداخلي، ومناقشة التقريرين الأدبي والمالي، والتداول بشأن المخطط الاستراتيجي المحيّن.

وتكشف هذه المحطات كما عاينها المشاركون، عن أهمية الشورى باعتبارها ممارسة مؤسسية، تتجاوز مجرد استشارة الأعضاء إلى تمكينهم من المشاركة في صناعة القرار، ومناقشة القواعد التي تؤطر عملهم، وتقييم أداء القيادة، واختيار من يتولى تدبير شؤون المؤسسة.

فالشورى ليست مجرد قيمة أخلاقية معلقة في الخطاب، وإنما هي آلية لتوزيع سلطة القرار، وتصحيح الانفراد بالرأي، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإتاحة الفرصة أمام وجهات النظر المختلفة كي تسهم في بناء الاختيار الجماعي. أما الديمقراطية التنظيمية، فلا تُقاس فقط بوجود التصويت، بل كذلك بمدى احترام قواعده، وحرية التعبير عن الرأي، وحق الأعضاء في المناقشة والاعتراض، وقبول النتائج، والالتزام بالمقررات التي تنبثق عن المساطر المتوافق عليها.

ومن هنا، فإن القيمة التربوية للشورى تظهر خصوصًا حين لا تتطابق المواقف، وحين يجد العضو نفسه أمام قرار لم يكن اختياره المفضل، إذ يكون الامتحان الحقيقي في قدرته على احترام المؤسسة، مع احتفاظه بحقه في النقد والمراجعة وفق القواعد المعتمدة.

إن قوة المبادئ لا تتجلى في غياب الاختلاف، وإنما في القدرة على تدبيره دون أن يتحول إلى خصومة شخصية، وفي ضمان ألا يؤدي التباين في التقدير إلى تمزيق الروابط الأخوية أو إضعاف العمل المشترك. وهذا ما يجعل الممارسة الشورية مدرسة في التربية على المسؤولية، وتدريبًا على التمييز بين الرأي الشخصي والقرار الجماعي، وبين الاختلاف في الاجتهاد والاختلاف في المرجعية، وبين حق الاعتراض وواجب احترام المساطر.

سادسًا- حين يقبل الرئيس السابق العضوية في المكتب التنفيذي:

من المشاهد ذات الدلالة العميقة في الجمع العام، عدم تجديد الثقة للرئيس السابق في منصب الرئاسة، ثم قبوله العضوية في المكتب التنفيذي الجديد. إن هذه الواقعة، في دلالتها التنظيمية والتربوية، تستحق التأمل، لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تنحصر قيمة المسؤولية في موقع القيادة، أم أن قيمة العمل الإصلاحي تتجاوز المواقع والصفات التنظيمية..؟

إن قبول الرئيس السابق مواصلة العمل من موقع العضوية، بعد انتهاء تكليفه بالرئاسة، يقدم مثالًا على إمكانية الفصل بين المكانة الاعتبارية للأشخاص، وطبيعة المهام التي يتولونها. فالعضوية في المكتب التنفيذي ليست امتدادًا آليًا للرئاسة، وإنما هي موقع آخر من مواقع الإسهام في المشروع الإصلاحي الجماعي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ما يسمى في أدبيات العمل التنظيمي بـ«الجندية»: أي الاستعداد لتحمل المسؤولية حيث تدعو الحاجة، والقيام بالمهام المتاحة دون اشتراط موقع بعينه، وتقديم مصلحة المشروع على الاعتبارات الشخصية. ولا تعني الجندية إلغاء شخصية الفرد، أو تعطيل حقه في النقد، أو تحويل الانضباط إلى طاعة عمياء، بل تعني الجمع بين استقلال الرأي والالتزام الجماعي، وبين القدرة على القيادة والاستعداد للعمل تحت قيادة أخرى، وبين الاعتزاز بالجهد المبذول وقبول انتهاء التكليف.

وهذا المعنى بالغ الأهمية في تكوين الأجيال التنظيمية، إذ إن التربية على المسؤولية لا تكتمل بتعليم الأعضاء كيف يقودون، بل تشمل أيضًا تعليمهم كيف يفسحون المجال لغيرهم، وكيف يواصلون العطاء بعد مغادرة مواقع القيادة. ومن ثم، فإن تداول المسؤولية لا ينجح بمجرد تغيير الأسماء، وإنما ينجح حين تتوافر ثقافة تنظيمية تجعل انتقال المواقع أمرًا طبيعيًا، وتحفظ للخبرة السابقة مكانتها، وتتيح للقيادة الجديدة ممارسة مسؤوليتها، دون منافسة خفية أو ازدواجية في المرجعية.

سابعًا- البيان الختامي وأدب النصح للمؤسسات:

يمثل البيان الختامي للجمع العام، وثيقة مهمة في التعبير عن مواقف الحركة وتقديراتها للقضايا التي تناولتها. ولا تنحصر أهميته في تلخيص مجريات الأشغال، بل تمتد إلى تحديد الرسائل التي ترى المؤسسة ضرورة توجيهها إلى أعضائها، وإلى المؤسسات الوطنية، وإلى الجهات المعنية بالقضايا التي يتناولها البيان.

ومن الدلالات التي يمكن استخلاصها من هذه المحطة، أن النصح للمؤسسات مهما اختلفت مستوياتها، لا يستلزم التخلي عن الوضوح، كما أن قوة الموقف لا تستلزم الانزلاق إلى التجريح أو الإساءة. فالنصح المؤسسي الرشيد يقوم على الجمع بين ثلاثة عناصر: وضوح الموقف، وسلامة الحجة، واحترام المخاطَب. وهو بذلك يختلف عن المجاملة التي تفرغ النقد من مضمونه، كما يختلف عن الخطاب الانفعالي الذي يستبدل الحجة بالتجريح.

إن أدب النصح ليس تراجعًا عن المبدأ، بل هو جزء من أخلاقيات الدفاع عنه. واللغة الهادئة ليست بالضرورة لغة مترددة، فقد تكون أشد تأثيرًا حين تستند إلى وقائع واضحة، وحجج متماسكة، وتصور عملي لما ينبغي تصحيحه أو تطويره. كما أن البيان الختامي يكتسب قيمته من قدرته على الربط بين المرجعية الفكرية للحركة ومسؤوليتها المجتمعية، بحيث لا تظل المواقف حبيسة النقاش الداخلي، ولا تتحول في المقابل إلى شعارات عامة منفصلة عن الواقع.

ولذلك، فإن قراءة البيان قراءة علمية تقتضي التمييز بين ما يقرره من مواقف، وما يقترحه من مطالب، وما يوجهه من نصائح، ثم مساءلة مدى اتساق هذه المواقف مع المرجعية المعلنة للحركة، ومدى قابليتها للتحول إلى مبادرات وممارسات عملية.

ثامنًا- كلمة الرئيس السابق ورسالة الاستمرار في الموقف:

قبل انتخاب القيادة الشابة الجديدة، ألقى الرئيس السابق كلمة عرض فيها مواقف الحركة وآراءها في عدد من القضايا. وتحمل هذه المحطة دلالة تتصل بوظيفة القيادة في التعبير عن توجهات المؤسسة، وبالعلاقة بين المسؤولية التنظيمية والموقف الفكري. فالرئيس وإن كان يتولى موقعًا قياديًا، لا يمثل نفسه وحدها، بل يتحدث في حدود ما تخوله المؤسسة وما تعتمده من توجهات ومواقف. ومن ثم، فإن قيمة الكلمة لا تُقاس ببلاغة الخطاب وحدها، وإنما بوضوح الأفكار وقوة الحجج واتساق المواقف، وقدرتها على تفسير الواقع وتحديد ما يقتضيه من مسؤوليات.

 كما أن وقوع هذه الكلمة قبيل انتخاب القيادة الجديدة يتيح قراءة مهمة: فالتجديد في الأشخاص لا ينبغي أن يتحول بالضرورة إلى قطيعة في المواقف، كما أن استمرار المبادئ لا يستلزم الجمود في أساليب التعبير عنها أو في وسائل تنزيلها.

إن المؤسسة الإصلاحية مطالبة بأن تحافظ على وضوح مرجعيتها ومواقفها، مع إتاحة المجال للاجتهاد والتطوير، وأن تميز بين القضايا التي تستند إلى مبادئ ثابتة، وتلك التي تتطلب تقديرًا متجددًا للواقع ومآلات الأفعال.

 وهنا تظهر مسؤولية القيادة الجديدة في استيعاب الرصيد الفكري والموقفي السابق، ومراجعته وتطوير أدوات التعبير عنه عند الحاجة، دون أن تجعل التجديد مجرد تغيير في الوجوه، أو تجعل الاستمرارية ذريعة لتجنب المراجعة. فالمطلوب هو استمرار في المقاصد، وتجديد في الوسائل، ووضوح في المواقف، ومرونة في الاجتهاد.

تاسعًا- مشهد السلسلة الذهبية وامتحان الأمانة في الحياة اليومية:

من المشاهد التي تستحق التوقف عندها، أن أحد المشاركين عثر على سلسلة ذهبية في مكان خالٍ، فبادر إلى إحضارها إلى منصة اللجنة المنظمة، بحثًا عن صاحبتها.

قد يبدو المشهد بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل دلالة تربوية عميقة، إذ ينقل الحديث عن الأمانة من مستوى الشعارات والقيم المعلنة إلى مستوى الممارسة اليومية، حيث تتجلى حقيقة التكوين الأخلاقي في تصرف قد لا يترتب عليه تصفيق أو تقدير علني. فالأمانة لا تُختبر فقط حين يكون صاحبها تحت المراقبة، بل تظهر كذلك حين يستطيع أن يتصرف في شيء لا يملكه، ثم يختار أن يحفظ حق صاحبه. وفي هذا المعنى، تصبح الواقعة الصغيرة شاهدًا على أهمية التربية، التي تجعل الالتزام بالقيمة نابعًا من الاقتناع الداخلي، لا من الخوف من الجزاء أو الرغبة في الثناء.

إن التنظيم الإصلاحي لا يُقاس فقط بسلامة أنظمته، أو جودة مخططاته، أو مستوى خطاب قيادته، بل يُقاس أيضًا بما تسهم به تربيته في بناء ضمير أعضائه، وفي جعل الأمانة سلوكًا تلقائيًا في تفاصيل الحياة. ولعل من أهم ما ينبغي أن تتعلمه المؤسسات التربوية والتنظيمية من مثل هذه الوقائع، أن القيم الكبرى لا تُبنى بالخطب وحدها، بل بالتكرار والممارسة والقدوة، حتى تصبح جزءًا من الشخصية الأخلاقية للأفراد.

عاشرًا- الاعتذار والتسامح وصيانة كرامة الأشخاص:

وفي مشهد آخر، صدر عن أحد الإخوة كلام غير لائق في حق حصيلة رئيس الحركة، فعاتبه بعض الإخوة، الأمر الذي انتهى باعتذاره علنًا للرئيس، وتقبيله رأسه، وقبول الرئيس اعتذاره، في أجواء من التسامح. وتتجلى أهمية هذه الواقعة في أنها تبرز الفرق بين النقد المسؤول والإساءة الشخصية، وبين الاختلاف في تقييم الأداء والمساس بكرامة الأشخاص.

فمن حق العضو أن يناقش حصيلة القيادة، وأن يعترض على قراراتها، وأن يقدم تقديرًا مخالفًا لما تتبناه الأغلبية، لكن هذا الحق لا يبرر التجريح أو استعمال العبارات، التي تخرج النقاش من دائرة تقويم الأداء إلى دائرة الانتقاص من الشخص. وفي المقابل، فإن تصحيح الخطأ لا يقتضي إغلاق باب المراجعة أو إلغاء حق النقد، بل يقتضي إعادة النقاش إلى مساره السليم: مناقشة الوقائع والقرارات والنتائج، بدل المساس بالكرامة الشخصية.

أما الاعتذار العلني وقبوله، فيحملان معنى تربويًا آخر، إذ يؤكدان أن الخطأ ليس نهاية العلاقة، وأن الاعتراف به فضيلة، وأن التسامح لا يناقض الحزم في صيانة القيم.

غير أن الدرس الأهم ليس في المظهر الاحتفائي للمصالحة، وإنما في المبدأ الذي ينبغي أن يترسخ بعدها: أن تبقى أبواب النقد مفتوحة، وأن تظل كرامة الأشخاص مصونة، وأن يكون الاعتذار سبيلًا لإصلاح العلاقة لا وسيلة لإسكات الاختلاف. ومن شأن هذا التوازن أن يعزز الثقة داخل المؤسسة، ويحول دون تراكم الخصومات، ويجعل الاختلاف عنصرًا من عناصر الحيوية التنظيمية، بدل أن يتحول إلى سبب للتفكك.

إن الجمع بين النقد والتقدير، وبين الحزم والتسامح، وبين المحاسبة وحفظ الكرامة، ليس أمرًا سهلًا، لكنه أحد الاختبارات الحقيقية لنضج التجارب الإصلاحية.

حادي عشر- الانضباط للبرنامج والوفاء للأمانة التنظيمية:

ومن الملاحظات التي تستحق التسجيل، أن أغلب المندوبين تابعوا لقاءات الجمع العام وجلساته وفقراته، دون تغيب أو تهرب أو تلكؤ، في تعبير عن الحرص على متابعة أشغال هذه المحطة التنظيمية.

ولا ينبغي اختزال هذا السلوك في مجرد الانضباط لجدول زمني، إذ إن حضور المندوب ليس مشاركة شكلية، بل هو تحمل لأمانة تمثيل الجهة التي انتدبته، ومتابعة للنقاشات التي تؤثر في مستقبل المؤسسة، وإسهام في صناعة قراراتها ضمن الحدود التي يتيحها نظامها.

فالمندوب لا يحضر بصفته فردًا معنيًا بما يدور فحسب، وإنما يحمل معه مسؤولية الإصغاء والفهم والمناقشة، ونقل خلاصات التجربة إلى إخوانه وأخواته في الجهة التي يمثلها. ومن ثم، فإن الانضباط يكتسب معناه الكامل، حين يقترن بفاعلية المشاركة وجودة الإسهام. فالحضور الجسدي مهم، لكنه لا يغني عن الحضور الذهني، والإنصات المسؤول والاستعداد للمناقشة، والوعي بما تتطلبه المرحلة من قرارات.

كما أن الوفاء للأمانة التنظيمية لا ينتهي بانتهاء أشغال الجمع العام، بل يستمر بعد العودة إلى الفروع والأقاليم، من خلال شرح القرارات، ومناقشة مبرراتها، وتيسير تنزيلها، وتقييم آثارها. وهكذا، تصبح المشاركة في الجمع العام بداية لمسؤولية جديدة، لا مجرد محطة تنتهي بانتهاء الجلسة الختامية.

ثاني عشر- المخطط الاستراتيجي وسؤال الانتقال من تجديد القيادة إلى تجديد الأداء:

إلى جانب انتخاب القيادة ومناقشة الحصيلة، عرف الجمع العام الثامن عرض مشروع المخطط الاستراتيجي المحيّن والمصادقة عليه. وتمثل هذه المحطة حلقة أساسية في وصل التقييم بالمستقبل، وتحويل الدروس المستخلصة من المرحلة السابقة، إلى اختيارات عملية للمرحلة المقبلة. فالمؤسسة لا تستطيع أن تكتفي بتدبير حاضرها، بل تحتاج إلى استشراف التحولات التي يعرفها المجتمع، وفهم تغير حاجات الفئات المستهدفة، وتقييم مدى ملاءمة أدواتها وبرامجها لهذه التحولات.

ومن هنا فإن المخطط الاستراتيجي، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه وثيقة تقنية تحدد الأهداف والأنشطة والآجال فحسب، وإنما باعتباره تعبيرًا عن تصور المؤسسة لذاتها، ولموقعها في المجتمع، وللأدوار التي تريد الاضطلاع بها مستقبلًا.

وتزداد أهمية هذه المحطة مع انتقال القيادة إلى رئيس شاب، إذ تصبح المرحلة الجديدة مطالبة بتحويل التجديد التنظيمي إلى تجديد ملموس في الأداء، وبناء جسور بين الخبرة المتراكمة والتطلعات الجديدة، وبين المبادئ المرجعية ومتطلبات الواقع. ويقتضي ذلك أن تكون الأهداف واضحة، والأولويات محددة، والموارد موزعة وفق الحاجات، ومؤشرات التقدم قابلة للقياس، وآليات التقييم والمراجعة منتظمة.

 فالمخطط الذي لا يترجم إلى برامج عملية يظل وثيقة معلقة، والقيادة التي لا تحول التوجهات إلى نتائج قابلة للتقييم لا تستطيع أن تقيس أثر قراراتها أو أن تصحح مسارها. وعليه فإن الرهان الحقيقي ليس في المصادقة على المخطط وحده، وإنما في القدرة على تحويله إلى التزام جماعي، يحدد ما ينبغي فعله، ومن يتولى إنجازه، وبأي موارد، وفي أي آجال، وكيف ستُقاس النتائج وتُراجع الاختيارات.

خاتمة: في أن المؤسسة التي تحمي قيمها، أقدر على تجديد مستقبلها

إن الجمع العام الوطني الثامن للحركة، كما عايناه من موقع المندوبية عن مدينة مكناس، أتاح قراءة تجربة تنظيمية من خلال محطاتها الرسمية ومشاهدها الإنسانية معًا.

ففي تكريم العلامة د.أحمد الريسوني واستحضار قادة الحركة ومؤسسيها، تتجلى قيمة الوفاء للذاكرة المؤسسة. وفي انتظام الاستحقاقات، يظهر معنى احترام القانون. وفي عرض التقريرين الأدبي والمالي، تتأكد مسؤولية القيادة أمام الهيئة التي انتدبتها. وفي انتخاب رئيس شاب وعدم التجديد للرئيس السابق، تتجسد قابلية المؤسسة لتداول المسؤولية. وفي نقاشات الجلسات، تتجلى أهمية الشورى. وفي قبول الرئيس السابق العضوية في المكتب التنفيذي الجديد، يظهر معنى استمرار العطاء خارج مواقع القيادة. وفي البيان الختامي وكلمة الرئيس السابق، تبرز مسؤولية التعبير عن المواقف بوضوح وأدب. أما مشهدا الأمانة والاعتذار، فيعيدان التذكير بأن حقيقة التربية الإصلاحية لا تظهر في الخطاب وحده، بل في السلوك اليومي، وفي طريقة إدارة الاختلاف، وصيانة كرامة الأشخاص، وإصلاح ما قد يقع من أخطاء.

ومع ذلك، فإن الإنصاف العلمي يقتضي التمييز بين ما تكشفه هذه المشاهد من مؤشرات إيجابية، وبين ما تحتاج المؤسسة إلى إثباته من خلال الممارسة المستمرة والنتائج المتراكمة. فنجاح محطة تنظيمية لا يعني أن جميع الإشكالات قد حُلّت، كما أن سلامة الإجراءات لا تغني عن تقييم أثر القرارات، على أداء المؤسسة وصلتها بالمجتمع.

إن قيمة الجمع العام لا تُقاس فقط بما أنجزه خلال أيامه الثلاثة، وإنما بما سيتركه من أثر في سلوك الأعضاء، وجودة التدبير، وفاعلية البرامج، وقدرة القيادة الجديدة على الاستجابة لتحديات المرحلة.

والسؤال الذي ينبغي أن يرافق الجميع بعد انتهاء الأشغال هو: كيف ننتقل من نجاح تنظيم الجمع العام إلى نجاح تنزيل قراراته..؟ وكيف تتحول قيم الوفاء والشورى والمحاسبة والتجديد والتسامح، من ممارسات تظهر في مناسبات محددة إلى ثقافة مؤسسية مستدامة..؟

ذلك أن المؤسسة الإصلاحية لا تبلغ تمام نضجها بمجرد امتلاك خطاب قيمي متماسك، ولا بمجرد انتظام هياكلها وإجراءاتها، بل تبلغ قدرًا أعمق من النضج حين تصبح مبادئها مرجعًا حاكمًا لقراراتها، وتتحول تربيتها إلى سلوك يومي، ويصبح تجديد قيادتها مدخلًا لتجديد أدائها، ويغدو حضورها في المجتمع مصدرًا للأثر والثقة والإسهام في الصالح العام. فالأشخاص يتعاقبون على المسؤولية، لكن قيمة المؤسسة تُقاس بقدرتها على حفظ رسالتها، وتجديد أدواتها، وتحويل مبادئها إلى أثر مستدام في الإنسان والمجتمع.

إن هذا الأثر لا يتحقق بالنيات الحسنة وحدها، ولا بالمحطات التنظيمية مهما بلغت أهميتها، بل يحتاج إلى عمل متدرج، ومراجعة صادقة، ومؤشرات واضحة، واستعداد دائم للتعلم من النجاح والإخفاق معًا. فالتجديد الحقيقي هو الذي يحفظ للمؤسسة هويتها، ويمنحها في الوقت نفسه القدرة على الاستجابة لتحولات الواقع، دون أن تفقد صلتها برسالتها أو ثقة المجتمع بها.

ومن هنا فإن امتحان المرحلة المقبلة، لن يكون في حسن إدارة الانتقال فحسب، بل في تحويل هذا الانتقال إلى فرصة لبناء مؤسسة أكثر نضجًا، وأوسع مشاركة، وأشد قدرة على إنتاج المبادرات، وتكوين الأجيال، وخدمة الإنسان، والإسهام في الصالح العام.

وبذلك يصبح الجمع العام لحظة تأسيس متجددة، لا خاتمة لمسار؛ وتصبح القيم التي ظهرت في تفاصيله اليومية عهدا مستمرا، يختبر في الممارسة، ويترسخ بالقدوة، ويقاس بما يتركه من أثر في الأفراد والمجتمع.

أخبار / مقالات ذات صلة