الإدمان الرقمي.. إحصائيات عالمية مرعبة ومستقبل قاتم

تُشكل منصات التواصل الاجتماعية حلقة وصل واتصال بين الناس في كل أقطار العالم، لكن الهوس حَوَّل هذه المنصات من آليات للتوصل إلى مرتع للإدمان تسبب تدمير كثير من الأشخاص، وامتد تدميره إلى الأطفال الذين لم تتكون عندهم بعد حتى مبادئ المنطق والنقد.
والناظر إلى منصات التواصل الاجتماعي اليوم، يجد أنها أصلا مصممة وفق خورزميات ظهور لم تكن لتتأتى لغيرها من المنصات التي ظهرت بين عامي 2003 و2008 أمثال: MySpace وHabbo وHi5 وBebo.
ولم تحقق المنصات السابقة نفس التأثير الثقافي الدائم المتنامي اليوم منذ صعود فيسبوك، ولاحقا مع الانفجار العظيم المتشكل من مئات المنصات مثل: فيسبوك وإنستغرام وإكس والواتساب وسناب شات ويوتيوب ولينكدين وتيك توك وباترسيت..
ويزيد من معدل الإقبال على شبكات التواصل الاجتماعي توفر الأنترنيت في القرى والبوادي، والانتقال إلى أجيال جديدة من وسائل الاتصال، ينضاف إلى ذلك توفر التكنولوجيات الحديثة من هواتف وألواح إلكترونية وحواسيب في أيادي الكبار والصغار والعزلة وقيم الفردانية.
مستقبل قاتم
يُظهر تقرير (الرقمية 2026: نظرة عالمية عامة) أن هناك أكثر من 6 مليارات مستخدم للإنترنت عبر العالم، وأن 2 من كل 3 أشخاص على وجه الأرض يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي كل شهر؛ حيث شهد استخدام الإنترنت عموما زيادة بنسبة 5% خلال العام 2025.
ويزداد الوضع اشتعالا مع كشف تقرير الحالة العالمية لوسائل التواصل الاجتماعي 2026 أن المشهد الرقمي يستمر في الخضوع للعديد من المتغيرات على رأسها انتشار برامج الذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي.
غير أن المستقبل يحمل هواجس بفعل ظهور منصات جديدة تفوق في اتساعها كل الموجات السابقة، حيث تشير بيانات Global WebIndex إلى أن جيل زد وألفا وإكس يشكلون عصب منصات جديدة مثل Reddit وDiscord، نظرا لارتباطهما الوثيق بعالم الألعاب.
تدهور الصحة النفسية
ويقود الإفراط في استخدام منصات التواصل الاجتماعي والألعاب إلى مشكلة عويصة تنعث بـ”إدمان للعالم الرقمي”، وهو ما يتحول إلى معضلة عالمية آخذة في الاتساع بفعل تداعياتها السلبية على الأطفال.
وفي هذا، حذرت منظمة “كيدز رايتس” من تفاقم أزمة الصحة النفسية للأطفال والمراهقين حول العالم؛ مسجلة أن “التوسع غير المنضبط” لوسائل التواصل الاجتماعي أسهم في بلوغ الأزمة “نقطة حرجة”.
ويلاحظ تقرير هذه المنظمة وجود علاقة بين الإدمان الرقمي وتدهور الصحة النفسية خاصة في أوروبا، حيث يستخدم 39 في المائة من المراهقين في سن 15 عاما وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار، لكن نقص البيانات المتعلقة بالصحة النفسية للأطفال يمثل مشكلة رئيسة في هذا الشأن.
ويشير التقرير إلى اختلافات إقليمية كبيرة، حيث تعد أوروبا المنطقة الأكثر عرضة لخطر الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين في سن الثالثة عشرة، بنسبة 13 في المائة، ويسجل فيها الإدمان الرقمي بين المراهقين في سن الـ15 مستوى “غير مسبوق”.
معضلة الانتحار
ويمثل الانتحار أكبر كوارث هذا المجال، إذ يظهر التقرير أن أكثر من 14 في المائة من المراهقين بين 10 و19 عاما يعانون من مشاكل نفسية، مع متوسط انتحار عالمي يبلغ 6 حالات لكل 100 ألف شاب بين 15 و19 عاما.
وكل هذا يؤشر على وجود “علاقة مقلقة” بين تدهور الصحة النفسية للأطفال وما تصفه بالاستخدام “الإشكالي” لوسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدا الاستخدام القهري والإدماني لها، والذي يؤثر سلبا على الأداء اليومي للمستخدمين.
متلازمة اللفافة العضلية
كما تبرز متلازمة ألم اللفافة العضلية كواحدة من الكوارث المحدقة بالناشئة مع ازدياد استخدام الأطفال للشاشات الرقمية بأنواعها المختلفة في الآونة الأخيرة، سواء للترفيه أو التعلم والدراسة، أو للتواصل الاجتماعي.
وتظهر المتلازمة لدى الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة في وضعيات غير مريحة، مما يؤدي إلى ضغط كبير على عضلات الرقبة والظهر والكتف. فالحركة المتكررة والمستمرة في نفس الوضعية يمكن أن تُشدد نقاط الزناد العضلية، مما يحول الألم إلى مناطق أخرى في الجسم.
ليس هذا فقط ما يتسبب فيه إدمان العالم الرقمي، إذ تظهر دراسة استمرت 15 عاما أن الأطفال الذين يقضون وقتا طويلا أمام شاشات الأجهزة الإلكترونية معرضون بصورة أكبر لخطر الفشل في تحقيق طموحاتهم الدراسية.
فقدان مهارات الكتابة
وتخلص الدراسة التي قادها فريق من الباحثين في مستشفيات بكندا إلى نتائج كارثية تتمثل في أن قضاء وقت طويل أمام الشاشات في مرحلة الطفولة المبكرة يرتبط بانخفاض درجات الأطفال في القراءة والرياضيات في حين لم تتأثر مهارات الكتابة لديهم إلى حد كبير.
وقد وجد الفريق أن قضاء الطفل ساعة واحدة يوميا أمام الشاشة يرتبط بانخفاض بنسبة 10% في احتمالية تحقيق مستويات أكاديمية أعلى بعد مقارنة بيانات أولياء الأمور حول الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة لحوالي 3300 تلميذ بمدينة أونتاريو الكندية في اختبارات القراءة والرياضيات.
وتسند هذه النتائج دراسة أخرى صادرة عن جامعة كاليفورنيا في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية وجدت أن الأطفال الذين يقضون وقتا أطول على التطبيقات يسجلون درجات أقل في اختبارات القراءة والمفردات والذاكرة. وكلما طالت مدة التصفح، انخفض أداؤهم.
وقد درس الباحثون في هذه الدراسة بيانات أكثر من 6000 طفل تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عاما، والذين يشاركون في دراسة “تطور الدماغ المعرفي للمراهقين” (ABCD) الطويلة الأمد، والتي تتعقب استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ضمن عوامل أخرى.
والنتيجة هي أن الأطفال الذين أمضوا نحو ساعة واحدة يوميا على مواقع التواصل الاجتماعي سجلوا درجة أو درجتين أقل في اختبارات القراءة والذاكرة مقارنة بأولئك الذين لم يتصفحوها على الإطلاق.
انخفاض المفردات اللغوية
وتهدد الشاشات القدرات اللغة للصغار، حيث عثرت دراسات أخرى على أن الأطفال بعمر السنتين الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات يمتلكون مفردات لغوية أقل مقارنة بأقرانهم؛ الذين يقتصر استخدامهم للتقنيات الرقمية على فترات قصيرة.
وخلصت إلى أن ارتفاع وقت الشاشة يرتبط بانخفاض تطور المفردات اللغوية، إذ تمكن الأطفال ذوو الاستخدام المرتفع من نطق 53% فقط من الكلمات الاختبارية، مقابل 65% لدى الأطفال الأقل تعرضًا للشاشات.
كما أظهرت النتائج أن نحو ربع الأطفال المشاركين سجلوا مؤشرات لاحتمال وجود مشكلات سلوكية أو عاطفية، حيث يشاهد 98% من الأطفال بعمر السنتين محتوى رقميا يوميا. مما يعكس تحوّل الشاشات إلى جزء أساسي من الحياة الأسرية الحديثة.
مقترحات وحلول عملية
ويحث الخبراء الآباء على الانضمام إلى الجهد العالمي في المنزل عن طريق وضع قيود على استخدام أطفالهم لمواقع التواصل الاجتماعي خارج ساعات الدراسة. كما يوصون بقراءة الكتب الورقية على اعتبار أنها تبقى الوسيلة الأهم لتغذية خيال الطفل وتنمية مهاراته الذهنية والعاطفية.
وفي هذا، خلصت دراسة صادرة عن جامعة ساسكس البريطانية إلى أن قراءة الكتب الورقية تقلل من الضغط النفسي وتعزز التفكير النقدي؛ بنقل الفرد القارئ من التفكير السطحي إلى التفكير المركب الإبداعي.
ووجدت الدراسة العلمية أن قضاء ست (6) دقائق فقط في قراءة كتب ورقية من شأنه التقليل من نسبة التوتر بنحو 68 في المائة، مشيرة إلى فوائد القراءة للصحة العقلية لأنها بمثابة نشاط للاسترخاء النفسي والعقلي، وهما ما يحول دون السقوط في أثون الأمراض النفسية.
وتتناغم هذه الدراسة مع نتائج دراسة أخرى أجراها باحثون من جامعة ليفربول في المملكة المتحدة وجدت أن 38 في المائة من البالغين يرون أن القراءة “أفضل علاج للتوتر”، نظر إلى أن قضاء وقت مع الكتاب يخرج الإنسان من حالة الرتابة في الحياة ويجعله خارج دائرة الاتصال الرقمية.
موقع الإصلاح





