ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة
فَضْلِ الْمَسَاجِدِ وَآدَابِهَا وَفَضْلِ الصَّلاَةِ فِيهَا وَأَهَمِّ ثِمَارِهَا

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
اختار كاتب خطبة الجمعة ليوم 13 ربيع الآخر 1448هـ الموافق لـ: 25/09/2026م موضوع فَضْلِ الْمَسَاجِدِ وَآدَابِهَا وَفَضْلِ الصَّلاَةِ فِيهَا وَأَهَمِّ ثِمَارِهَا” تكملة لخطبة الجمعة الماضية عن فضل الصلوات الخمس وأهم ثمارها، وهي فرصة للتذكير ببعض وظائف المسجد في محيطه، كي يؤديَ رسالته التربوية، والتعليمية، والاجتماعية ؛ وحين نقارن دور المسجد بين الحاضر والماضي نجد أن دور المسجد قد انحسر انحسارا شديدا؛ حيث أصبح فضاء لأداء الصلوات وبعض الأنشطة التعليمية الموسمية، وهذا الوضع كان نتاج عوامل كثيرة يرجع بعضها إلى تطور الحياة العامة، ولكن من أهم أسباب انحسار دور المسجد في الحياة العامة غفلة المسلمين عن ما يحاك من مخططات لتعطيل أدواره في حياتهم، لأنه أهم منابع القوة في تشكيل كيان الأمة.
ملاحظات على اَلْخُطْبَة: “
1- خطبة فضل المساجد حين يطغى التذكير على صناعة الأثر.
كتب أحد المتتبعين للخطبة الموحدة تدوينة تلخص أهم أعطاب الخطبة الموحدة بل الخطاب الدعوي الرسمي عموما تحت عنوان : ّ” خطبة المساجد حين يطغى التذكير على صناعة الأثر” فقال:
” تأتي هذه الخطبة حول فضل المساجد وآدابها وفضل الصلاة فيها وثمارها في سياق منهج أصبح ملمحًا متكررًا في الخطب الموحدة: تأصيل شرعي متين، واستحضار وافر للآيات والأحاديث، وتسلسل وعظي منضبط، يقابله قدر أقل من مساءلة الواقع وربط العبادة بالسلوك اليومي. فالخطبة تذكر عمارة المساجد وصيانتها ونظافتها وحرمتها، ثم تنتقل إلى صلاة الجماعة وما تثمره من تعارف وتآلف وتواصل وسؤال عن الغائب والمريض. وهي معانٍ جليلة في ذاتها.
غير أن واضعيها يقفون مرة أخرى، عند العتبة التي كان يمكن أن يبدأ منها السؤال التربوي الأشد أثرًا: إذا كانت المساجد تعمر بالمصلين، فإلى أي حد تعمر قيم الصلاة حياتهم خارجها؟ أين أثر الصف المستقيم في احترام النظام، وأثر الأخوة في حقوق الجار، وأثر الطهارة في نظافة الفضاء العام، وأثر الصلاة في الأمانة والمعاملة والرحمة؟
هنا يبدو أن منهج واضعي الخطب يميل إلى تقديم النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن أكثر من مواجهة المستمع بالفجوة بين ذلك النموذج وواقعه.
ولا يمكن من النص وحده الجزم بأن تجنب هذه المساءلة مقصود لغاية بعينها، لكن تكرار الأسلوب يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام اختيار منهجي واعٍ لخطبة آمنة وموحَّدة، تُذكِّر أكثر مما تُشخِّص، وتحث أكثر مما تُساءل، وتحافظ على المشترك الديني أكثر مما تغامر بالنزول إلى تعقيدات الواقع. والمفارقة أن الخطبة تحمل في عنوانها عبارة «أهم ثمارها»، بينما الثمرة التي يحتاجها العامة ليست فقط أن يعرفوا فضل الصلاة في المسجد، وإنما أن يروا بوضوح كيف ينبغي للصلاة في المسجد أن تغيّر الإنسان حين يغادر المسجد.”
2- من العناية بالمساجد إلى العناية بالقيمين الدينيين:
في آخر إحصائيات رسمية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في سنة 2024، بلغ عدد المساجد في المغرب (52 ألف مسجد) . 72 % منها في العالم القروي، بمعدل مسجد لكل 710 مواطنين . وتتصدر مدينة وجدة المرتبة الأولى كأكبر مدينة مغربية تضم أكبر عدد من المساجد بواقع 400 مسجد، وتلقى خطبة الجمعة كل أسبوع في أزيد من ثلاثة وعشرين ألف مسجد.
ولا يخفى على الوزارة الوصية الدور الهام الذي يقوم به القيمون الدينيون في المغرب من أئمة وخطباء ومؤذنين ومنظفين، في توفير الأمن الروحي والحاجيات العلمية والفقهية للمواطنات والمواطنين بمختلف المساجد بكل شبر من المملكة تنفيذا لتوجهات الوزارة في هذا الإطار.
يرى الكثير من المتتبعين، أن أدنى الأجور في بلدنا هي التي يتلقاها المنتمون لهذه الفئات، مما شكل موجات من القلق حول أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
ولا يستفيد أئمة المساجد والقيمون الدينيون في المغرب فعلياً من نظام التقاعد والمعاشات حتى الآن، رغم المطالب المستمرة ووعود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.والوضع الحالي لهذه الفئة النشطة في الحقل الديني في بلدنا كما يلي:
– يُصنف القيمون الدينيون غالباً في خانة العمال غير الأجراء يحصلون على مكافآت شهرية هكذا تسميها الوزارة وليست رواتب، وهو ما يطرح نقاشات وإشكالات حول طبيعة تعويضاتهم وحقهم في التمتع بوضعية مستقرة ماديا.
– يستفيد القيمون الدينيون من التغطية الصحية الأساسية عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
– يظل نظام التقاعد الخاص بهم معلقاً ولم يتم تفعيله بالشكل المطلوب، مما يدفع العديد من الأئمة والمؤذنين للعمل لأعمار متقدمة.
3- المسجد مؤسسة تعليمية شعبية قريبة من الناس:
لم يكن المسجد في الحضارة الإسلامية مجرد مكان لأداء الصلوات والشعائر الدينية فحسب، بل شكّل تاريخياً جامعة شعبية متكاملة ومركزاً للإشعاع الفكري، السياسي، والاجتماعي. وقد اتسع دور المسجد التعليمي ليكون متاحاً لجميع فئات المجتمع دون قيود، محققاً مفهوم “شعبية التعليم” قبل قرون من ظهور الأنظمة التعليمية الحديثة.
ومن البرامج التعليمية الناجحة في المساجد والتي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية برنامج محو الأمية الأبجدية والدينية بالمساجد الذي نجح في إنقاذ ما يقارب 5 ملايين مواطن ومواطنة (90% منهم إناث) من آفة الأمية منذ انطلاقه عام 2000، مسهماً بنسبة 25 % في الجهود الوطنية في هذا المجال.
ومن الخدمات المتميزة التي تقدمها مساجد المملكة في مجال التعليم فتح مدارس قرآنية مرتبطة بها لتحفيظ القرآن وتدريس علومه للكبار والصغار، نذكر من بينها مدرسة ابن البشير بمدينة تمارة، ومدرسة الحاج الريفي بالرباط، ومدرسة الهدى بمسجد الهدى بتمارة ،وكلها تعرف إقبالا كبيرا من كل فئات المجتمع، وساهمت في تقريب الثقافة الإسلامية من عموم المواطنين.
هذا بالإضافة إلى توفر معظم المساجد بالمملكة على كتاتيب قرآنية، نوفر فضاءات لحفظ القرآن وتعلم قواعد التجويد خصوصا في صفوف النساء والأطفال.
4- وردت في الخطبة فقرة خارج السياق لا معنى لها وهي :” ومنها حمايتها من الخلاف وإثارة الشبهات على الناس، وتدخل أصحاب الأهواء والمغرضين بتشكيك الناس في أمور دينهم”.
فهذه القضايا لا تثار في فضاء المساجد، وإنما خارجه في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن سياسيين أ و مؤثرين بارزين، ولا من ينهض للرد عليهم من علماء المجالس العلمية لدحض شبهاتهم ودفع تشكيكهم في أمور الدين.
وعلى خلاف من ذلك اهتم المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء- سطات وفق المراسلة الموقعة بتاريخ 20 فبراير2026، بتسجيل 16 مخالفة على القيمين الدينيين في أداء الشعائر الدينية بالمساجد، وهي مخالفات وصفها بأنها تمس “ما جرى به العمل” في مساجد المملكة منذ قرون، وتخالف بشكل صريح مضامين “دليل الإمام والخطيب والواعظ”، وتتعلق بالقبض في الصلاة والخروج من الصلاة بتسليمتين وتلحين الأذان وارتداء اللباس غير المغربي.
5- في العناية بالمساجد كل له نصيب من المسؤولية :
-الوزارة الوصية والمصالح التابعة لها أو المحسنون، وتتجلى في العناية بجمالية المساجد بصباغة داخلها وخارجها، وتغيير الأفرشة القديمة والمتهالكة والتنظيف المنتظم، وصيانة المرافق الصحية وصيانة التجهيزات الصوتية.
-القيمين الدينيون: وذلك بالحرص على الالتزام بالحضور للصلوات، واحترام المواقيت المخصصة لإقامة الصلوات، وعدم ترك المجال للمتطفلين على الآذان أو الإمامة، والتعفف عن سؤال الناس، والتزام الحياد وعدم الدخول في الصراعات بين الناس في الحي.
– رواد المسجد من الرجال والنساء والأطفال، وذلك بعدم التدخل في اختصاصات القيمين الدينيين، والمحافظة على نظافة المسجد والتعاون عليها، والحفاظ على أجواء الهدوء والسكينة بعدم رفع الصوت ولو بالقرآن، وعدم حجز الأماكن فيه مسبقا، وتشجيع الناشئة على ارتياد المساجد.
السلطة المحلية وذلك بحماية المساجد من ظاهرة التسول والنصب والاحتيال والبيع والتجارة على أبواب المساجد.
خاتمة:
المسجد ليس مجرد جدران للعبادة، بل هو محرك للتغيير يعيد تشكيل الحي على عدة مستويات:
1-التغير العمراني والجمالي:
حيث تبرز المئذنة والقبة كعلامة مميزة تمنح الحي هوية معمارية إسلامية واضحة، وغالباً ما يرافق بناء المسجد رصف الطرق المحيطة به، وتحسين الإضاءة، وتوفير المساحات الخضراء أو الساحات العامة من حوله، وتنشأ حول المساجد حركة تجارية حيوية (محلات تجارية، مكتبات، محلات بيع الأغذية والملابس)، مما يغير طبيعة النشاط الاقتصادي في الحي.
2- التغير الاجتماعي والسلوكي:
يلتقي سكان الحي خمس مرات يومياً، مما يزرع الثقة بينهم ويذيب الخلافات، ويزيد من فرص التعارف والتكافل الاجتماعي والمواساة في الأتراح والتهنئة في الأفراح. ويرتبط جدول سكان الحي وأصحاب المحلات بمواقيت الصلاة والأذان، مما يضفي نوعاً من النظام والانضباط على حركة الشارع اليومية. كما يُضفي وجود المسجد هيبة في النفوس وأجواء من السكينة، مما يسهم بشكل ملحوظ في تقليل الظواهر السلبية أو العشوائية في المنطقة المحيطة به مراعاة لحرمة المسجد.
3- التغير الثقافي والتربوي
حيث يتحول الحي إلى مركز تعليمي من خلال حلقات تحفيظ القرآن، والدروس الدينية، والمحاضرات التوعوية التي ترتقي بالوعي الجماعي لساكنة الحي.
والحمد لله رب العالمين



