واجبنا نحو المسجد الأقصى في ظل تصاعد اعتداءات التهويد

رمزية الأقصى في وجدان الأمة وضميرها
للمسجد الأقصى في وجدان كل مسلم وضميره مكانة رفيعة، ورمزية دينية حضارية فهو وديعة المصطفى ﷺ الذي على الأمة حفظه، وصيانته، وحمايته، وإعماره، وهو ثالث الحرمين الشريفين التي لا تشد الرحال إلا إليها، ، وهو مسرى رسول الله ﷺ ومنطلق معراجه ، قال تعالى : (سُبحَـٰنَ ٱلَّذِي أَسرَىٰ بِعَبدِهِ لَيلا مِّنَ ٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ إِلَى ٱلمَسجِدِ ٱلأَقصَى ٱلَّذِي بَـٰرَكنَا حَولَهُ لِنُرِيهُ مِن ءَايَـٰتِنَاۤ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ) ] الإسراء 1[ .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : “بيت المقدس الذي بإيلياء، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل، ولهذا جُمعوا له هناك كلهم، فأمَّهم في مَحِلَّتهم ودارهم، فدل على أنه الإمام الأعظم، والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين”. وأنه وارث مقدسات الرسل قبله وعلى رأسها المسجد الأقصى، وورثت أمته ذلك من بعده فأبلت أحسن البلاء ، دودا عن حماه ، وصونا لحرمته، وتعزيزا لمكانته، حتى ظل طاهر الأكناف، عامر الأركان، منبع النور والإشعاع.، وهو أقدم بيت وضع للناس بعد البيت الحرام ؛أقدمية تسقط بفعلها دعاوى الأمم السابقة بالحق في تملكه، لأنه سابق عليها ، وتعلقها به مقرون ببعثة الأنبياء، وقد استقر أخيرا في هذه الأمة ببعثة النبي ﷺ خاتما وإماما للأنبياء والمرسلين جميعا، وهو المسجد المبارك، الذي تفيض بركته على ما حوله، كما يفيد ذلك قوله عز وجل : ( بَارَكْنَا فِيهَا )، يقول سيد قطب في ظلاله منوها إلى هذا المعنى : «ووصف المسجد الأقصى بأنه (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه) وصف يرسم البركة حافة بالمسجد، فائضة عليه. وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل: باركناه أو باركنا فيه وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب، وهو أولى القبلتين التي تَوجه إليها المسلمون في الصلاة، وتعدل الصلاة فيه خمسمائة صلاة فيما سواه من المساجد (إلا المسجد الحرام والمسجد النبوي)
محنة الأقصى ووقوعه تحت قيد الاحتلال
هذه المكانة جعلت من الأقصى رمزا دينيا ومعلمة حضارية للأمة منذ الفتح العمري، امتد إشعاعه في ربوع البلاد الإسلامية، إلى أن أصابته محنة العسف والاحتلال لمرتين؛
الأولى: باحتلال الصليبيين له يوم الجمعة 22 شعبان 492 هـ الموافق15 يوليو 1099 م، واستمراره لما يناهز 91 سنة، حتى شرف الله -تعالى- الناصر صلاح الدين الأيوبي بتحريره عام 583 هـ / 1187 م، فاستعاد ألقه وتوهجه وإشعاعه في الأمة. وصار مجددا محج المسلمين وبخاصة حجاج بيت الله الحرام منهم.
الثانية وهي الأعظم والأشد باحتلال عصابات الإجرام الصهيوني له إثر هزيمة النظام العربي المدوية في حرب السادس من يونيو1967 ولاتزال فصول مأساتها مستمرة، فقد أحكم الصهاينة سلطتهم على المقدسات الإسلامية وشرعوا في تهويدها وطمس معالمها وفق مخطط إحلالي استيطاني تهويدي مدروس وفي القلب منه المسجد الأقصى، فما مرت سنتان على الاحتلال حتى استهدفوه بالإحراق عام 1969، ولأن رد الفعل الإسلامي الرسمي منه والشعبي على هذه الجريمة كان باهتا وضعيفا ودون حجم الكارثة بكثير، فقد شجع ذلك لاحتلال على التمادي، والمضي قدما في مخططه التهويدي، وتكثيف إجراءاته، والإصرار على سياساته الرامية إلى تغيير الطابع الديني والحضاري والسكاني الإسلامي والعربي للقدس، والمسجد الأقصى بالخصوص.
يرى د. شريف أبو شمالة أن الاحتلال الصهيوني وأذرعه من المستوطنين وجماعات المعبد الصهيونية تركز في تهويدها للمعالم الإسلامية على ثلاثة محاور:
- الإنسان، بتغييبه عن المكان ماديا ومعنويا، ونفيه من المجال العام والحيوي للأقصى.
- الأرض، ما عليها وما تحتها، ويدخل في ذلك جميع ما يحدث بشكل مستمر من هدم للبيوت، أو سيطرة عليها ومنع ترميمها، حتى مصادرة الأراضي والمقابر، وتغيير أسماء الشوارع والمعالم، فضلا عن إرهاق الأقصى ومحيطه بالأنفاق وغيرها.
- المقدسات، فتهويد القدس قديم في أدبيات الحركة الصهيونية، يدل عليه قول تيودور هرتزل : « إذا حصلنا يوماً على القدس، وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أُزيل كل شيء ليس مقدساً فيها لدى اليهود، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون ». وفي القلب منها المسجد الأقصى المبارك الذي يقع في عين عاصفة التهويد
مسار التهويد وآلياته
يعتمد الاحتلال في سعيه الحثيث تهويد المسجد الأقصى المبارك في أفق هدمه وبناء معبد يهودي مكانه ؛ مجموعة متنوعة من الإجراءات والسياسات بشكل ممنهج وخطوات محسوبة، نذكر منها :
- السيطرة على أجزاء من المسجد الأقصى.
حاول الصهاينة السيطرة على حائط البراق عام 1929لكن ثورة البراق أحبطت محاولتهم، فانتظر الاحتلال حتى عام1967 ونجاحه في هدم حارة المغاربة الملاصقة للحائط، فيعيد الكرة ويقوم بالسيطرة عليه. وتسميته حائط المبكى، ثم صادر مفاتيح باب المغاربة، واستخدمه لإدخال المتطرفين واقتحامات الشرطة الإسرائيلية إلى المسجد، كما وضع الاحتلال يده بشكل كامل على بوابات المسجد، فتحكم في الداخلين، ومنع الشباب والشابات والمرابطين ومن شاء من دخوله،
وفي 2017 حاول الاحتلال فرض بوابات الكترونية على مداخل الأقصى تصدى لها الفلسطينيون فيما عرف بهبة باب الأسباط بشكل حاسم حتى أزيلت بعد أسبوعين من الاعتصام والاحتجاج
وهو يسعى حاليا إلى مصادرة باب الرحمة وكامل المنطقة الشرقية من الأقصى التي تشكل خمس مساحته ليقيم عليها كنيسا يهوديا.
- تكثيف اقتحامات المستوطنين ومحاربة الوجود الإسلامي البشري في الأقصى
يسعى إلى ذلك من خلال :
تنظيم الاقتحامات على مدار العام تحت حماية جيش الاحتلال من طرف مجموعات من المستوطنين والمتطرفين اليهود والسياح الأجانب، الذي يؤدون خلالها طقوسهم التلمودية بالحرم القدسي، وبوتيرة متزايدة في السنوات الأخيرة كمّاً ونوعا، حيث بلغت أعداد المقتحمين مستويات قياسية، وبمشاركة شخصيات حكومية وبرلمانية صهيونية، ففي أيام عيد الفصح العبري لهذا العام، بلغت أعداد المستوطنين المقتحمين للحرم القدسي في يوم واحد 2258 مستوطنا وهو رقم قياسي تجاوز سابقه 2200 مقتحم المسجل فيما يسمى «ذكرى خراب المعبد» عام 2022م.
إن هذه الجماعات الصهيونية المتطرفة لن تتوقف عن اقتحاماتها ومساعيها ما دام رد الفعل الشعبي والحكومي الإسلامي باهتا وضعيفا، وهي ماضية في تنفيذ رؤيتها بالكامل بالسيطرة التامة على الأقصى، ولن يوقفها غير فعل شعبي ضخم يجبر حكومة الاحتلال على التراجع في مشروعها التهويدي رغم أنفها، كما حصل في خمس مرات خلال السنوات العشر الماضية، حين أجبر الشعب الفلسطيني بصموده الاحتلال على التراجع رغماً عنه في هبّة القدس عام 2015، وهبة باب الأسباط عام 2017، وهبة باب الرحمة عام 2019، ومعركة سيف القدس عام 2021، ومعركة الاعتكاف عام 2022م
ومحاربة الوجود الإسلامي بفرض قيود عُمْرِية على الفئات المسموح لها بالوصول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، فيمنع مَنْ دون الـ 50 عاماً من الرجال خاصة، ويحرم الفلسطينيين الذين يسكنون قطاع غزة أو الضفة الغربية أو فلسطينيي الشتات. من دخول المسجد الأقصى، والقيام بإبعاد الناشطين المقدسيين عن المسجد، حيث وثقت محافظة القدس في الفترة الممتدة من بداية 2026م وحتى 6 سبتمبر 800 قرار إبعاد عن المسجد ،في مقابل تسجيل اقتحام 40661 مستوطنًا للحرم القدسي، وتجريم حلقات العلم والرباط وشد الرحال إلى الأقصى، فقد أصدر وزير الدفاع الصهيوني قراراً باعتبار المرابطين والمرابطات في المسجد الأقصى تنظيماً إرهابياً، ومنع قوافل شد الرحال من الوصول إلى المسجد الأقصى.
وإلى جانب ذلك كله يمضي في فرض التقسيم الزماني والمكاني فيخلي أماكن في المسجد الأقصى في أوقات محددة من المسلمين ليمارس فيها المقتحمون المتطرفون طقوسهم التلمودية التهويدية.
- سياسة تغيير أسماء المعالم الإسلامية في القدس.
قام الاحتلال بتغيير حوالي 7000 اسماً في مدينة القدس وحدها، وتبديل أسماء توراتية بها، ويصر على تسمية الأقصى المبارك، بجبل المعبد، وتسمية أبوابه بأسماء توراتية مثل تسمية الباب الثنائي بباب خلدة. ولتعزيز هذه التسميات أصدر بها الأدلة السياحية والقرارات الرسمية والخرائط المعتمدة، ووضع لافتة بذلك على باب المسجد.
- السعي لتدمير الأقصى. وتفجيره بطرق مختلفة
في عام 1969م أتت النيران على منبر صلاح الدين وجدران المسجد وأثاثه أمام عرقلة سلطات الاحتلال لعملية الإطفاء، وإخلائها سبيل من أشعل الحريق فيما بعد بدعوى الجنون،
محاولات تفجير الأقصى، كما حصل عام (2015) عندما تم اكتشاف يهودي أمريكي كان يخطط لتفجير الأقصى بتوجيه من المنظمات الصهيونية المتطرفة، ساعات قبل تنفيذ جريمته .
القيام بعشرات الحفريات والأنفاق حول المسجد الأقصى وتحته، تزداد مع الزمن بشكل مضطرد، بحثا عن المعبد المزعوم (الهيكل)، ما تسبب في شقوق في جدران الأقصى وأساساته، وانهيارات في البيوت والمنشآت المجاورة، كما نتج عن تلك الحفريات إزالة طبقات أثرية إسلامية شاهدة على تاريخ المسجد الأقصى والمدينة الإسلامية.
منع أعمال الصيانة والترميم في المسجد الأقصى ومحاصرته، يذكر القائمون على المسجد الأقصى أن 42 مشروعا لترميمه معطلة بسبب قرارات المنع والقيود التي يضعها الاحتلال، ما يحول دون الحفاظ على الأقصى وصيانة مرافقه وساحاته واستغلالها، ومن يحاول تنفيذ أعمال بسيطة للصيانة يجد نفسه عرضة للاعتقال والتجريم.،
محاصرة الأقصى ببناء 102 كنيساً (في مساحة أقل من 1 كم مربع)، عند أسواره، وإقامة الحدائق التوراتية فوق الآثار الإسلامية المحيطة به.
إن ما ذكرنا من وسائل تهويد المسجد الأقصى وطمس معالمه، ليست سوى أمثلة مختصرة وبارزة عن بعض ما يعانيه المسجد وحجم ما يستهدفه ، لكن الواقع أفظع وأكثر مرارة، وإجراءات التهويد أشد خطورة ، وأمضى مما نتصور.، فالمحاولات محمومة لحسم مصير المسجد من قبل الصهاينة واليمين المتطرف اعتقادا منهم انهم أمام فرصة ذهبية نادرة قد لا تعوض لتحقيق أحلامهم المسيحانية داخل الأقصى، بتقدير ان أعداءهم تحت صدمة الترويع التي أحدثتها المجازر الوحشية غير المسبوقة في تاريخ الصراع التي ارتكبها الاحتلال المتوحش في قطاع غزة ، والتي أفرزت مظاهر شلل عام في كيان العرب والمسلمين والفلسطينيين شعوبا وحكومات.
الأمة والدور المطلوب
يبدو أن الأمة في غفلة تامة عما يحيق بمقدساتها، لاهية عن الجرائم المرتكبة بحقها، حتى يتساءل المرء عن حقيقة تعلقها بالأقصى المارك، وهل هي فعلا مستعدة لفدائه بالروح والدم كما نسمع في كل التظاهرات والوقفات، ولا أدري إن كان كثرة الاعتداءات وبشاعتها قد حولتها بحكم الاعتياد أمرا طبيعيا لدى الكثير من الشعوب الإسلامية، أو أن الأمة أضحت مجرد جثة هامدة تصدق فيها مقولة ما لجرح بميت إيلام.
إن من يرى حجم العدوان الصهيوني على المقدسات وتقدم مخططاته التهويدية بمراحل غير مسبوقة، ثم يتلمس رد فعل الأمة لن يجد إلا ما يدعو إلى اليأس والإحباط لولا ثقة المسلم بربه، ويقينه في نصره، وإيمانه بأنه لا يملك إلا نفسه فيحرص عل بدل وسعه في النصرة والمقاومة.
إن حماية المقدسات مسؤولية الجميع شعوبا وحكومات، قادة وعلماء، أحزابا وجمعيات، أفرادا ومؤسسات، فلا أحد معفى من التبعة والمسؤولية أمام الله ثم أمام الأمة والتاريخ، ومن تم فعلى الجميع الانخراط في واجب الدعم والنصرة وبكل ما تتيحه له ظروفه، وتستطيعه إمكاناته ومؤهلاته..
والحكومات الإسلامية هي أول المسؤولين، وهي في مواقفها أنواع مختلفة،
فمنها المتورطة في تبيض الاحتلال وتقويته ولو من دون قصد من خلال التطبيع معه، وتدنيس أيديها بمصافحة مجرمي الحرب وقتلة الأطفال، وهذه الحكومات عليها أن تتوب من جريمة التطبيع، ومن التخاذل والوهن، وتتصالح مع قيم دينها وأمتها، وأن تعلم أنه لا خير يرجى من التطبيع مع مجرمي الحرب، وقتلة الأطفال، ومقترفي الإبادة الجماعية، فالله تعالى: ( لَا يُصلِحُ عَمَلَ ٱلمُفسِدِينَ) ]يونس 81[
ومنها المتخاذلة التي لا تحرك ساكنا، ولا تستنكر عدوانا، ولا تقاوم غطرسة وإن لم تتورط في جريمة التطبيع، وهو موقف لا يعكس انتماءها إلى الأمة، وواجب انحيازها لقضاياها،
ومنها حكومات قد تستنكر العدوان ولكن باحتشام، فلا تقوم بأي فعل يسند المقاوم، ولا ترفع بذلك صوتا في المحافل الدولية، وهذه حال الكثير من الدول والحكومات الإسلامية، ومنها العميلة لكيان الغصب والإجرام، تنوب عنه في اختراق نسيج الأمة، وترعى مصالحه، وتسعى جاهدة للتمكين له بين ضعاف النفوس، ومرضى القلوب الذين أقعدهم الوهن، وانقطعوا عن هموم الأمة جري وراء مكاسب تجر إليها أنانيات مريضة، وهذه الحكومات يكفيها ستطاردها لعنة المظلومين، والأمة، وكل الأحرار في العالم، ويذكرها التاريخ في دواوين الخيانة، وسلة الإهمال والخزي والعار.
وعلى الشعوب الإسلامية مسؤولية ثابتة، بالعمل على الخروج من وهنها وضعفها، والمسارعة إلى إنكار كل أشكال العدوان بالقوة اللازمة لردع العدو، وإشعاره بأن الأمة حية، وتملك أن تُدَفِّعه لقاء إجرامه أثمانا باهظة، في اقتصاده ورفاهيته، فلا أفهم انصراف الأمة عن سلاح المقاطعة رغم أنه ورقتها المؤثرة، وسلاحها الفعال، فما الذي أذهل أمة المليارين عن مقاطعة منتجات الكيان وداعميه الرئيسيين وهو أمضى ما تملك من أسلحة تستطيع به ردع العدو، وداعميه من الدول والشركات والأفراد ، والأحزاب والعلماء والمفكرون وقادة المجتمع المدني عليهم مسؤولية كبيرة ومؤثرة، خاصة من جهة تأطير المجتمع وقيادة حراكاته، وتقدم صفوفه في مختلف الفعاليات ، وترشيد ردود أفعاله.




