أخبار عامةالرئيسية-

الفساد وانطباعات استشرائه.. سحب قوانين وصفقات مشبوهة

لم يعد الفساد في المغرب يناقش بوصفه حالات معزولة أو انحرافات فردية، بل بات يستحضر في النقاش العمومي باعتباره ظاهرة تتغذى من ضعف الشفافية، وتضارب المصالح، وتعقيد المساطر، وتراجع أدوار الرقابة.

وتتجلى مخاطر هذه الظاهرة في التراجع المقلق للمغرب في مؤشر إدراك الفساد لسنة 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ حصل على 39 نقطة من أصل 100، واحتل المرتبة 91 من بين 182 دولة، بعد أن كان قد سجل تحسنا نسبيا سنة 2018 باحتلاله المرتبة 73.

وتشير الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة إلى أن تحليل المؤشرات على مدى فترة طويلة (مؤشر مدركات الفساد، الباروميتر العالمي للفساد، مؤشر الحكامة والديمقراطية، مؤشر الميزانية المفتوحة،..) يؤدي إلى تقارب حول الاستنتاج الرئيسي وهو الطابع البنيوي للرشوة بالمغرب.

متابعات وقضايا

إن مما يكشف قضية الفساد هو أرقام تتحدث عن متابعة 30 برلمانيا قضائيا بينهم وزير سابق بتهم تتعلق بالفساد، كما أن المديرة العامة للأمن الوطني برسم سنة 2025 سجلت معالجة 431 قضية مرتبطة بجرائم الفساد المالي خلال سنة 2025.

إن استشراء الفساد لا يُقاس فقط بعدد الأحكام القضائية، بل أيضاً بمستوى الثقة في المؤسسات. فعندما تُسحب مشاريع قوانين مكافحة الإثراء غير المشروع، ولا يُعتمد إطار حازم لتضارب المصالح، وتُطرح صفقات بمليارات الدراهم في قطاعات حيوية مثل الماء والصحة والغذاء، يصبح من الطبيعي أن يطالب المجتمع بتفسيرات دقيقة ومعلومات قابلة للتحقق.

لقد بات الرأي العام ينظر إلى ظاهرة الفساد بكونها آفة كبرى مدفوعا بسحب قوانين مكافحة الفساد مثل مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، ومشروع تضارب المصالح، إضافة إلى تجميد اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد.

سحب وتجميد للقوانين

وينضاف إلى ذلك تمرير القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية، ولا سيما المادتين 3 و7 منه، اللتين تحدان من إمكانية لجوء المجتمع المدني إلى القضاء في قضايا الفساد المرتبطة بالمال العام. كلها هذا بالتوازي مع بروز صفقات عمومية بمبالغ ضخمة تثير أسئلة سياسية وأخلاقية وقانونية.

وتتمثل أهمية تجريم الإثراء غير المشروع في أنه يستهدف النتيجة الظاهرة للفساد وهي الثروة الكبيرة التي لا تجد تفسيرا منطقيا في الموارد المشروعة لصاحبها، إذ بدل انتظار إثبات كل عملية رشوة أو اختلاس على حدة، يسمح هذا النوع من التجريم بطرح سؤال جوهري: كيف تضخمت ممتلكات مسؤول أو موظف عمومي خلال فترة توليه المنصب؟

أما غياب قانون واضح لتضارب المصالح، فيجعل تدبير بعض الملفات الكبرى محكوما بمدى قدرة المسؤول على تقديم تفسير سياسي أو أخلاقي، بدل إخضاعه لقواعد دقيقة تحدد متى يجب التنحي، ومتى يحظر على المسؤول أو أقاربه أو شركاته المشاركة في صفقة عمومية.

هنا، لا تكمن المشكلة فقط في سحب مشاريع القوانين وتجميد اللجان بل حين تتكرر الوقائع المثيرة للجدل دون توضيحات مقنعة أو تحقيقات معلنة، إذ يتحول الشك إلى فقدان للثقة، وتصبح كل صفقة كبرى قابلة للتأويل والريبة.

صفقات واختلالات

في مقابل خنق المنظومة القانونية لمكافحة الفساد، برزت صفقات أثارت الكثير من التساؤلات منها صفقة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء وهي واحدة من أكثر القضايا التي ربط فيها الرأي العام بين المال والأعمال والسياسة. 

وتباينت التقديرات المنشورة بشأن قيمة المشروع، بين نحو 6.5 مليارات درهم للاستثمار المعلن وتقديرات أخرى رفعت القيمة الإجمالية للعقد إلى أرقام أكبر بالنظر إلى مدة التشغيل والالتزامات المرتبطة به.

لم تتوقف الاختلالات عند الحدود الاقتصادية بل تجاوزت ذلك إلى القضايا الدينية، إذ وجد المغاربة أنفسهم محرومين من ممارسة فريضة الأضحية، بسبب «الفراقشية»، وهو تعبير شعبي مرتبط بسرقة المواشي، وتحول جدل إلى سياسي مرتبط باختلالات استيراد الأغنام والأبقار. 

وتشير معطيات برلمانية أن 277 مستوردا استفادوا من مبالغ تناهز 13 مليار درهم، وأن 18 مستوردا استحوذوا على نحو 80 في المائة من هذا المبلغ. وتطرح هذه الأرقام أسئلة واضحة حول معايير توزيع الدعم، ومدى تحقيقه للهدف المعلن، وآليات التتبع والتقييم.

كما أثارت صفقات تفاوضية مخصصة لتأهيل عشرات المؤسسات الصحية بدورها نقاشا حول حدود الاستثناء. فقد رخص لوزارة الصحة باللجوء إلى هذه المسطرة لتأهيل 91 مؤسسة استشفائية، استنادا إلى المادة 154 من المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، التي تتيح اعتماد الصفقات التفاوضية في الحالات الاستثنائية والاستعجالية.

وعين الشبهة هنا هو أن الصفقة التفاوضية قد تكون قانونية من حيث الشكل، لكنها تظل بحاجة إلى رقابة مشددة على الأسعار، واختيار الشركات، وجودة الأشغال، واحترام آجال التنفيذ. كما ينبغي نشر مبررات الاستعجال، ومحاضر التفاوض، والعروض المقدمة..

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى