باباخويا يكتب: حركة التوحيد والإصلاح في زمن التحولات بين مرحلة الصحوة وسؤال الفعل الحضاري (3)
الحلقة الثالثة: الدعوة والسياسة، نظرات في تجربة التمايز والمشاركة

ليست العلاقة بين الدعوة والسياسة في التجربة الإسلامية المعاصرة، مجرد مسألة تنظيمية تتعلق بتوزيع المسؤوليات، ولا سؤالا تقنيا حول من يقرر ومن يترشح ومن يخوض الانتخابات، إنها في العمق سؤال عن طبيعة المشروع الإصلاحي نفسه:
كيف يمكن لحركة تحمل رسالة دينية وإصلاحية، أن تتفاعل مع المجال السياسي دون أن تتحول إلى حزب..؟ وكيف يمكن لحزب ذي مرجعية إسلامية أن يمارس السياسة، دون أن يتحول إلى واجهة تنظيمية للحركة الدعوية..؟
ولعل التجربة المغربية، من خلال العلاقة بين حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، تقدم نموذجًا جديرًا بالتأمل، لأنها لم تستقر على الاندماج الكامل ولا على القطيعة، وإنما طورت تدريجيًا صيغة «التمايز»، القائمة على استقلال الهيئتين، مع استمرار التشاور والتعاون والشراكة في إطار مشروع إصلاحي مشترك.
من هنا، فإن السؤال الذي يهمنا اليوم ليس: هل كان التمايز صحيحًا أم خاطئًا..؟ وإنما: ماذا أراد أن يحقق..؟ وماذا حقق..؟ وهل ما زالت شروطه ووظائفه كما كانت..؟
أولًا- من الوصل والفصل إلى التمايز:
لم يظهر التمايز في التجربة المغربية دفعة واحدة، وإنما جاء ثمرة مسار من المراجعات، من الاحتضان، إلى التنسيق، ثم إلى الاستقلال المؤسسي والوظيفي، في إطار ما عبّرت عنه أدبيات التجربة بـ “وحدة المشروع بدل وحدة التنظيم”.
وكان وراء هذا التحول إدراك لطبيعة الاختلاف بين المجالين، فالسياسي يتحرك في مجال المنافسة والانتخابات وتدبير الدولة وبناء التحالفات والتعامل مع الممكن، بينما يعمل الدعوي في مجال التربية والدعوة وبناء الوعي وإصلاح التدين وتكوين الإنسان.
من هنا كان التمايز محاولة لحماية الطرفين معًا: حماية الدعوة من أن تصبح رهينة للاستقطاب السياسي، وحماية العمل السياسي من أن يتحول إلى مجرد ترجمة تنظيمية لمواقف دعوية جاهزة. وهذا يلتقي مع الفكرة التي عبر عنها سعد الدين العثماني في كتابه «الدين والسياسة: تمييز لا فصل»، أي أن التمييز بين الوظائف لا يستلزم القطيعة بين الرسالة والقيم والمجال العام. فجوهر الفكرة هنا أن الحركة ليست حزبًا، والحزب ليس حركة، لكن كليهما يمكن أن يلتقيا في مشروع إصلاحي أوسع من أي تنظيم منفرد.
ثانيًا- التمايز بين حماية الوظائف وسؤال الحصيلة:
بعد أكثر من عقدين على فكرة التمايز، يصبح من المشروع أن تنتقل المراجعة من سؤال الشرعية التاريخية للتمايز إلى سؤال حصيلته ومآلاته. فهل نجح في تحقيق مقاصده التنظيمية..؟
وهل أدى كذلك إلى الأثر الإصلاحي الذي كان منتظرًا منه..؟
ويمكن قياس الجانب الأول بدرجة استقلال المؤسسات والقيادات والوظائف، لكن الجانب الثاني أكثر تعقيدًا ويحتاج إلى نظر وتفكيك:
فهل مكّن التمايز الحركة من تقوية وظيفتها الدعوية والتربوية والفكرية..؟
وهل سمح للحزب بأن يبني اجتهاده السياسي الخاص..؟
وهل أتاح للحركة أن تتواصل مع المجتمع، باعتبارها فاعلًا دعويًا ومجتمعيًا مستقلًا..؟
وهنا ينبغي أن نتحرر من فكرة أن التمايز كان حلًا نهائيًا، فهو في حقيقته اجتهاد تاريخي قابل للمراجعة والتطوير، والأهم أن الاستقلال المؤسسي لا يكفي وحده، إذا ظل الالتباس قائمًا في الوعي العام أو في الثقافة التنظيمية.
لذلك فالمطلوب ليس الدفاع عن التجربة أو نقضها، وإنما تقويمها بأدوات موضوعية: ما الذي تحقق..؟ وما الذي لم يتحقق..؟ وأين تحتاج العلاقة إلى مزيد من الوضوح..؟
ثالثًا- الدعوة والسياسة، هل كانت المشاركة إضافة أم استنزافًا..؟:
من أكثر الأسئلة حساسية في هذه التجربة: هل أضعف الانخراط السياسي الوظيفة الدعوية والتربوية للحركة..؟
ولا يصح التعامل مع هذا السؤال بالانطباع أو الحكم السريع، فالمشاركة السياسية يمكن أن تكون مصدرًا للخبرة في فهم الدولة والمجتمع، وتكوين الكفاءات، والتشريع، وتدبير الشأن العام، والمساهمة في المؤسسات.. لكنها في المقابل تستهلك موارد بشرية وتنظيمية وفكرية، وقد تجعل جزءًا معتبرًا من الطاقة الإصلاحية مرتبطًا بإيقاع السياسة اليومية.
لذلك فالسؤال الأكثر دقة ليس: هل السياسة جيدة أم سيئة للحركة..؟
بل: هل أخذ العمل السياسي من المشروع الإصلاحي أكثر مما أضاف إليه..؟
وهذا لا يمكن الإجابة عنه بالشعور، وإنما يحتاج إلى تقويم مؤسساتي هادئ، يوازن بين ما كان متوقعًا من المشاركة وما أنتجته فعليًا، كما ينبغي ألا تختزل السياسة في الانتخابات وحدها. فالانتخابات تقيس جانبًا من الحضور السياسي، لكنها لا تقيس وحدها تكوين النخب، وجودة الأداء، والتأثير في السياسات العمومية، والمساهمة في التشريع، وبناء الوعي السياسي، وخدمة المجتمع.
ولهذا فإن التراجع الانتخابي في محطة ما، لا يكفي وحده للحكم على تجربة امتدت عقودًا، كما أن النجاح الانتخابي لا يمثل وحده، شهادة نهائية على نجاح المشروع الإصلاحي، لذلك فالمطلوب هو الانتقال من قراءة النتائج إلى قراءة التجربة.
رابعًا- من فقه المشاركة إلى فقه المآلات:
هنا تبرز قيمة التفكير المقاصدي، وخاصة مفهوم فقه المآلات. فالوسائل لا تقاس فقط بمشروعية بداياتها، وإنما كذلك بآثارها ونتائجها. ومن ثم فإن اجتهادًا كان مناسبًا في سياق تاريخي معين قد يحتاج، بعد تغير الظروف، إلى إعادة نظر في بعض تطبيقاته، وهذا ينطبق على تجربة التمايز. فالسؤال اليوم ليس فقط: هل كان التمايز مبررًا عندما نشأ..؟
بل: ما مآلاته بعد أكثر من عشرين سنة..؟
هل تغير الحزب..؟ هل تغيرت الحركة..؟ هل تغير المجتمع..؟ هل تغيرت طبيعة المجال السياسي..؟ وهل تغيرت الحاجات التي من أجلها صيغت العلاقة..؟
إن ثبات المقصد لا يعني بالضرورة ثبات الوسيلة، ومن هنا يمكن الانتقال من مجرد «فقه المشاركة» إلى «فقه المشاركة السياسية»: فقه يقرأ الواقع، ويراعي المآلات، ويرتب الأولويات، ويحدد شروط المشاركة وحدودها، ويضع معايير لاختيار الكفاءات وتقويم الأداء والمساءلة..
وفي هذا التصور تصبح السياسة تكليفًا لا امتيازًا، ومسؤولية لا مجرد وصول إلى موقع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ -النساء: 58-
ومن ثم ينبغي أن ينتقل السؤال من: كيف نصل إلى السلطة..؟
إلى: ماذا سنفعل عندما نصل إليها..؟
ومن: كيف ننتصر انتخابيًا..؟
إلى: كيف نجعل المشاركة خدمة حقيقية للمجتمع..؟
فالسياسة تحتاج إلى الأخلاق، لكنها تحتاج أيضًا إلى العلم والكفاءة والخبرة وفهم الاقتصاد والاجتماع والإدارة والعلاقات الدولية..
خامسًا- ما بعد التمايز، نحو علاقة جديدة بين الحركة والحزب والمجتمع:
ربما لا ينبغي أن يكون سؤال المرحلة القادمة: هل نستمر في التمايز أم نتخلى عنه..؟
بل: كيف نطوّر التمايز بحيث يصبح أكثر قدرة على خدمة المشروع الإصلاحي..؟
وهذا يقتضي- في تقديري- تعميق التمايز في أربعة مستويات:
1- التمايز المؤسسي: استقلال المؤسسات والقرارات والقيادات.
2- التمايز الوظيفي: فالحركة للدعوة والتربية والتكوين والفكر والمجتمع، والحزب للعمل السياسي وتدبير الشأن العام.
3- التمايز الفكري: بامتلاك الحزب لاجتهاده السياسي الخاص، وامتلاك الحركة خطابها الدعوي والفكري، مع إمكان الاتفاق والاختلاف.
4- التمايز المجتمعي: بألا تختزل صورة الحركة في علاقتها بالحزب، بل تستعيد حضورها باعتبارها فاعلًا دعويًا وتربويًا وفكريًا ومجتمعيًا، منفتحًا على مختلف مكونات المجتمع.
فالحركة والحزب قد يحتاج كل منهما إلى الآخر، لكن الحاجة لا تعني التبعية، والشراكة لا تعني الاندماج، والاستقلال لا يعني القطيعة.
وإذا كان مفهوم «وحدة المشروع بدل وحدة التنظيم» قد شكل جوابًا تاريخيًا عن سؤال العلاقة، فإن المرحلة الجديدة قد تحتاج إلى توسيع المشروع نفسه، بحيث لا يصبح الإصلاح محصورًا في الحزب أو الانتخابات، وإنما يتوزع على المجتمع المدني والثقافة والتربية، والشباب والاقتصاد والعمل التطوعي والفضاء الرقمي وغيرها من مجالات الفعل المجتمعي.
وهنا ربما يكون السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يحمله الجمع العام الثامن: ما الموقع الذي نريد أن تحتله حركة التوحيد والإصلاح في المجال العام المغربي خلال العقدين المقبلين..؟
هل نريدها فقط حركة دعوية تربوية بالمعنى التقليدي..؟ أم فاعلًا فكريًا وثقافيًا ومجتمعيًا، ومجالًا لصناعة الإنسان والنخب، وشبكة للإصلاح تتكامل فيها وظائف متعددة..؟
إن السؤال لا يستهدف الحركة ولا الحزب، وإنما يستهدف وضوح المشروع.
خلاصة: من حضور الحزب إلى أثر المشروع
في نهاية المطاف، تبقى السياسة وسيلة والحزب وسيلة، والانتخابات وسيلة، والبرلمان والحكومة وسيلتان. أما الغاية فهي أوسع: إصلاح الإنسان والمجتمع، وتحقيق العدل، وخدمة الوطن، والمساهمة في العمران.
قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ -[هود: 88-
فهذه الآية تضع الإصلاح في مركز المشروع، وتجعل الوسائل قابلة للتنوع والتطوير. لذلك فإن الوفاء لتجربة التمايز لا يعني بالضرورة الدفاع عن صورتها الأولى، وإنما امتلاك الشجاعة نفسها التي أنشأتها: شجاعة المراجعة.
فكما راجعت الحركة في الماضي علاقتها بالسياسة، يمكنها اليوم أن تراجع هذه العلاقة مرة أخرى، لا لتتخلى عن رسالتها، وإنما لتتأكد من أن أدواتها ما تزال تخدم رسالتها. لأن سؤالنا الذي ندندن حوله هو: أي علاقة بين الدعوة والسياسة يمكن أن تخدم هذا الإنسان، وهذا المجتمع، وهذا المشروع الإصلاحي في المرحلة القادمة..؟
وربما لا يبدأ الجواب من قرار تنظيمي جاهز، وإنما من سؤال صادق، ومراجعة جماعية، واستعداد للاعتراف بما نجح وما لم ينجح وما يحتاج إلى تطوير. فالمؤسسات الإصلاحية لا تتجدد لأنها تتخلى عن تاريخها، وإنما لأنها تتعلم من تجربتها.
وهذا- في تقديري- أحد الأسئلة الكبرى التي يمكن أن يحملها المندوبون إلى الجمع العام الثامن..




