الرئيسية-دروس ومواعظمقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

"حُقُوقُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،  وبعد: جاءت خطبة الجمعة ليوم 29 ربيع الأول 1448هـ الموافق لـ 11/09/2026م

بعنوان: “حُقُوقُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ” لتختتم خطب شهر المولد النبوي بالوقوف على المقصد العظيم من تخليد ذكرى مولده ﷺ ألا وهو بيان حقوقه على أمته.

ملاحظات على الخطبة:

1- واجب الوقت يقتضي التطرق لموضوع الاستحقاقات الانتخابية التي ستشهدها بلادنا بعد أيام قليلة،  باعتباره شأنا عاما يهم كل المواطنين، إسهاما من المؤسسة العلمية الرسمية في توعية الناس بضرورة الانخراط في العملية وترشيد الاختيار  ليتولى الأصلح  والأكفأ المسؤولية في  الأمة. ونحن نرى كل قنوات قطب  الإعلام العمومي تتحدث عن الانتخابات وتحفز إليها سوى الإعلام الديني المتمثل في  إذاعة محمد السادس وقناة السادسة.

إن تسديد التبليغ بخصوص هذه النازلة يقتضي تنبيه عموم المواطنين إلى أن التصويت في الانتخابات البرلمانية أمانة ومسؤولية، ينبغي على المسلم أن يؤديها بالشكل الصحيح، وهي كذلك شهادة سيسأل عنها أمام الله تعالى، قال الله تعالى: (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخرف/19، وبما أن المسلم سيسأل عن هذه الشهادة أمام الله تعالى فلا يجوز له أن يأخذ شيئاً من المال أو الهدايا ثمناً لصوته وشهادته من أي من المرشحين مقابل انتخابه، لأن هذا يؤدي إلى أن يصل إلى مجلس النواب من ليس أهلاً لذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»[1]

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: “من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله.”[2]

2- نرجو أن يكون موضوع الخطبة  الموحدة في الجمعة المقبلة هو الاستحقاقات الانتخابية وما ينبغي أن يراعى فيها آداب وضوابط شرعية لتحقيق مقصد تولي الأكفاء الصالحين للمسؤولية في الأمة.

وقد سبق أن تناولت خطبة الجمعة ليوم 01 جمادى الأولى 1447هـ الموافق لـ 24 أكتوبر 2025م موضوع: “تربية الأولاد على المشاركة في الشأن العام”، حيث ذكرت بأن أعظم ما يجب أن نُعنى به جميعا تربية الأولاد على المشاركة في تدبير الشأن العام؛ لأنهم رجال الغد، والأمل معقود عليهم في تحمل الرسالة، والمحافظة على الأمانة. وأن ذلك لا يتحقق إلا بالتربية على أخلاق الدين الإسلامي، وعلى مقاصده الكبرى التي منها تحمل المسؤولية، والمشاركة في خدمة الأمة، وحب الوطن، والسهر على أمنه واستقراره.

ثم جاءت خطبة الجمعة بتاريخ  07 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2025م لتؤكد على  وجوب الانخراط في الشأن العام على أساس التواصي بالحق والتواصي بالصبر. واستدلت الخطبة بالآية الكريمة: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} للتحذير من مخاطر ادعاء الإصلاح دون التزام بضوابطه الشرعية.

كما أبرزت أن “التواصي بالحق” يتضمن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط الشرعية وآداب الدعوة، مستشهدة بحديث الرسول ﷺ: «مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ »[3]، باعتباره أصلا من أصول الإصلاح القائم على الحكمة والصبر. وفي مسألة تغيير المنكر والموازنة بين  المصالح والمفاسد قال ابن القيم: “إنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يُزل بجملته.

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأولَتَانِ مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.”[4]

3- لا بد من مراعاة  منهج الجمع بين الترغيب والترهيب في الدعوة والتبليغ إسوة بالقرآن والسنة، ولذلك فإن اكتفاء الخطبة الموحدة بأسلوب الترغيب في أداء حقوق المصطفى فد يفهم منه البعض أن ذلك من المستحبات والمندوبات، في حين أن الاستخفاف بهذه الحقوق أو معصية أمره  عمداً يعد تفريطاً عظيماً وقد يؤدي إلى حبوط الأعمال أو التعرض للفتنة والعذاب الأليم.

إن أداء حقوق النبي صلى الله عليه وسلم فرض محتم وواجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، دلت عليه آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة والتقصير فيها إثم وتفريط في حق أعظم خلق الله.

4- يمكن اختصار حقو ق النبي صلى الله عليه وسلم في حقين عظيمين تندرج تحتهما باقي الحقوق؛

أولهما: حق اتباع سنته والاقتداء به وطاعته والتزام أمره ونهيه. قال تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)النساء/ 65 .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى “وَقَوْلُهُ : ( فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) : يُقْسِمُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ : أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكم الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ، أَيْ: إِذَا حَكَّمُوكَ يُطِيعُونَكَ فِي بَوَاطِنِهِمْ ، فَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا حَكَمْتَ بِهِ ، وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَيُسَلِّمُونَ لِذَلِكَ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ مُمَانِعَةٍ، وَلَا مُدَافِعَةٍ، وَلَا مُنَازِعَةٍ.”[5]

ومن مخافة هديه وسنته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزيادة في الدين والابتداع فيه، حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: ” سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ؟ قَالَ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، قَالَ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ; فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ هَذِهِ؟! إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا، قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: } فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. سورة النور: 63.

وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَفْسِيرُ الْآيَةِ هِيَ شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهَا بُنْيَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ.”[6]

ثانيها: حق نشر دعوته ونصرته؛

قال ابن القيم رحمه الله: ” وَأَمَّا الْأَدَبُ مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِهِ؛ فَرَأَسُ الْأَدَبِ مَعَهُ: كَمَالُ التَّسْلِيمِ لَهُ، وَالِانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ. وَتَلَقِّي خَبَرِهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، دُونَ أَنْ يُحَمِّلَهُ مُعَارَضَةَ خَيَالٍ بَاطِلٍ، يُسَمِّيهِ مَعْقُولًا. أَوْ يُحَمِّلَهُ شُبْهَةً أَوْ شَكًّا، أَوْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ آرَاءَ الرِّجَالِ، وَزُبَالَاتِ أَذْهَانِهِمْ، فَيُوَحِّدُهُ بِالتَّحْكِيمِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالِانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ. كَمَا وَحَّدَ الْمُرْسِلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْعِبَادَةِ وَالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ، وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ.” [7]

ولا معنى لحصر هذا الحق في العلماء الراسخين في العلم كما ذكرت الخطبة الموحدة.

إن الدعوة إلى الله تعالى ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم  واجبة على عموم الأمة وجوباً كفائيًا وواجبة وجوباً عينيًا على كل فرد من المسلمين بحسب استطاعته وقدر علمه، روى البخاري أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً »[8]. فالعلم يتبعض ويتجزأ وكل يدعو إلى ما يعلم ويسكت عما لا يعلم.

والقول الراجح هو أن الدعوة واجبة على كل فرد بحسبه؛ وذلك لقول الله تعالى آمرًا هذه الأمة بالدعوة إليه سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104.
واختلف أهل التفسير في “منكم” هذه هل هي للتبعيض أم لبيان الجنس، ويمكن الجمع بين القولين بأن انتصاب طائفة من المسلمين وتفرغهم للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية على الأمة، وأن قيام كل فرد بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب قدرته فرض عين، قال الله تعالى:{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }التوبة:122.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾” وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ فرْقَة مِنَ الأمَّة مُتَصَدِّيَةٌ لِهَذَا الشَّأْنِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأُمَّةِ بِحَسْبِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَده، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ”. وَفِي رِوَايَةٍ: “وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ.”[9].

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

*****

[1] – صحيح البخاري، كِتَابُ العِلْمِ ، بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ.

[2] – سنن البيهقي (10// 118)

[3] – سنن الترمذي،  أَبْوَابُ الْفِتَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِاليَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالقَلْب.

[4] – كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين ،4/339.

[5] – تفسير ابن كثير، (2 / 349):

[6] – كتاب الاعتصام للشاطبي،1/90.

[7] – مدارج السالكين،2/365.

[8] – صحيح البخاري، كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، بَابُ مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

[9] -مختصر تفسير ابن كثير.،1/374.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى