حين يرحل المقرّ وتبقى الرسالة.. ثلاثون سنة على تأسيس حركة التّوحيد والإصلاح

مرّت بالأمس، الحادي والثلاثين من غشت 2026، ذكرى تأسيس حركة التوحيد والإصلاح؛ فقد انطلقت الحركة بهذا الاسم سنة 1996، حاملة مشروعًا إصلاحيًا اختار منذ بدايته أن يجعل من الدعوة والتربية والإسهام في إصلاح المجتمع مجالات متكاملة لعمله، وأن يكون حاضرًا في فضاء العمل المدني، متعاونًا مع غيره على ما فيه خير الوطن والإنسان.
والذكرى ليست مناسبة للاحتفاء بالتنظيم من أجل التنظيم، ولا لاستعراض المنجزات وتِعداد المحطات. فالحركات الإصلاحية لا تُقاس قيمتُها بعدد السنوات التي عمّرتها، ولا بعدد الهياكل التي بنتها، وإنما بالسؤال الأصعب:
ماذا أضاف وجودها إلى مجتمعها؟
وكم من خير أسهمت في بنائه؟
وكم من إنسان أعانته على أن يكون أصلح في نفسه وأنفع لغيره؟
ذلك أن التنظيم، في التصور الإصلاحي، ليس غاية. إنه وعاء للرسالة، وأداة لجمع الجهود، ومدرسة لتكوين الإنسان، وفضاء لتحويل إرادة الخير الفردية إلى فعل جماعي منظم ومستمر.
ومجتمعاتنا تحتاج إلى هذا النوع من العمل المدني الرسالي؛ تحتاج إلى مؤسسات تحمل القيم دون أن تنغلق على نفسها، وتحفظ الهوية دون أن تنعزل عن عصرها، وتربّي على التدين دون أن تفصل الدين عن خدمة الإنسان، وتشارك في الشأن العام دون أن تجعل الصراع على المواقع غايتَها.
ولعلّ ذكرى هذه السنة تأتي وحركتنا تعيش ظرفًا خاصًا. فقد غادرنا مقرنا المركزي الذي احتضن عقودًا من العمل واللقاءات والذكريات، بعد هدمه في إطار مشروع إعادة تهيئة كورنيش الرباط. ولم يكن الانتقال سهلًا؛ فالمقرّ ليس جدرانًا فقط، بل ذاكرة وعلاقات وعاداتُ عملٍ وفضاءٌ يجمع الناس.
لكن هدم المقر يذكّرنا -من حيث لا ندري- بحقيقة ينبغي ألا ننساها:
يمكن أن يُهدم البناء، ولكن لا ينبغي أن تتوقف الرسالة.
نحن نحتاج بالتأكيد إلى مقر جديد يليق بالحركة ورسالتها، وسنبذل بحول الله ما نستطيع لتحقيق ذلك. لكن أخطر ما يمكن أن يقع لأي مؤسسة أن يصبح فقدان الوسيلة سببًا في تراجع الغاية؛ وأن تنشغل بإعادة ترتيب بيتها على حساب حضورها خارج البيت.
فالحركة ليست مقرًا في الرباط. الحركة هي عضوٌ يدعو إلى الخير في حيّه، ومربٍّ يصاحب شابًا، وامرأةٌ تخدم أسرتها ومجتمعها، وعالِم ربّانيٌ يبين، ومثقف يسهم في صناعة الوعي، وفاعل مدني يبادر، وشاب يحمل قيَمة إلى فضائه، ومواطن يحب وطنَه ويسعى في إصلاحه.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّةٞ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران: 104].
بعد ثلاثين سنة من التأسيس، لعل أفضل وفاء للمؤسسين والسابقين، وأفضلَ احتفاء بهذه الذكرى، هو الإصرار على السّير نحو الأمام والمتابعة والجواب في كلّ محّطّة على سؤال: ماذا ينبغي أن نفعل الآن؟
إن الأوطان لا تستغني عن قواها الحية، والمجتمعات لا يصلحها المتفرجون. وكلما اشتدت التحولات، وتعقّدت الأسئلة، وتزاحمت المؤثّرات على عقول الناس وقيمِهم؛ ازدادت الحاجة إلى عمل إصلاحي هادئ عميق منفتح ومتجدد؛ يحفظ الثوابت، ويفهم الواقع، ويبني الإنسان، ويزرع الأمل، ويصنع المبادرة.
قد تتغيّر المقرّات، وتتبدّل القيادات، وتتجدد الأجيال والوسائل والبرامج؛ لكن الذي ينبغي ألا يرحل أبدًا هو “روح الرسالة”.
وتلك، في تقديري، هي أجمل طريقة نستقبل بها عامًا جديدًا من عمر حركة التوحيد والإصلاح: أن نجدّد السؤال عن رسالتنا، وأن نوسّع أثرنا، وأن نخرج إلى الناس أكثر مما ننشغل بأنفسنا وبتنظيمنا.
فالمقر يُحدَث من جديد… أما الرسالة، فيجب أن تظل قائمة فينا.




