عبدالله عطاش يكتب: صوت الفجر الملائكي

تحت سماء مليئة بالنجوم، كان مخيم “بو النعايم” يقيم كل صيف كما فعلت المخيمات السابقة قبله، مخيم “الإصلاح”، و”التوحيد”، و”علي عزت” وأخرى. كانت تلك المخيمات ملاذاً للشباب والأسر، يجتمعون فيه للعبادة والتآلف والتزود من نور القرآن، بعيدا عن ضجيج المدن.
لكن ما ميَّز هذه المخيمات جميعاً، وجعل اسمها يتردد بين الأجيال، لم يكن خيامها البيضاء ولا حلقات الذكر ولا حتى دروس العلماء.. بل كان صوتٌ واحدٌ ينبعث كل فجر، صوتٌ يشبه صوت الملائكة. كان ذلك الصوت للأخ عبد الجليل الجاسني رحمه الله تعالى.
قبيل الأذان بساعة أو أقل، عندما تكون السماء لا تزال سوداء حالكة، والهواء بارداً يقرص الجلد، كان عبد الجليل يخرج من خيمته بهدوء تام. لا يوقظ أحداً بالصراخ أو بالضرب على الخيام كما يفعل البعض.
يبدأ بصوت خافت أولاً: “الصلاة خير من النوم…”، ثم يرفعه شيئاً فشيئاً، حتى يملأ المخيم كله، كأن السماء نفسها تنادي.
كان صوته عجيباً. ليس عالياً بقوة، بل عميقاً قويا. يدخل القلب مباشرة قبل الأذن. يتسلل تحت الأغطية، حتى يصل إلى أكثر القلوب نعاساً وكسلاً، فيهزها هزاً رقيقاً، فيستيقظ الإنسان وهو يبتسم، لا يشعر بضيق ولا بثقل.
كان صوته يركب على نسيم البحر، يدخل كل خيمة، يتجاوز أصوات الأمواج، يصل إلى أعماق النائمين فيهزّ قلوبهم قبل أجسادهم. فيستيقظ الشباب والأطفال والشيوخ، يخرجون فرحين، يتوضؤون من ماء البحر المالح أحياناً إذا نفد الماء العذب، ثم يصطفون على الرمل لصلاة الفجر، والنجوم لا تزال تشهد من فوق، والبحر يسبّح خلفهم. كان الإخوة يقولون: “لو لم يكن عبد الجليل موجوداً، لنام نصف المخيم عن صلاة الفجر.”
وكان بعضهم يمزح: “نحن ننام قريري العين، لأننا نعلم أن هناك ملكاً يطوف بنا كل فجر، واسمه عبد الجليل”
ثم جاءت السنوات التي غاب فيها عبد الجليل … اختاره الله لمهمةٍ أخرى، سافر أستاذاً زائراً إلى صلالة في سلطنة عمان. سنواتٌ طويلة قضاها هناك يدرس القرآن واللغة العربية في تلك الديار الخضراء. افتقده المخيم افتقاداً شديداً. صار صوت الأمواج وحده يوقظ الناس… لكن ليس كما كان صوت عبد الجليل … كانوا يستيقظون… لكن ليس كما كانوا يستيقظون حين كان صوته يسبح في الهواء.
سنوات مرت. تغيرت المخيمات. انتقلت الأماكن. لكن صوت عبد الجليل بقي.
في كل مخيم جديد، كان أحد الإخوة القدامى يقف في أول فجر، يحاول أن يقلّد صوت عبد الجليل، فيرفع صوته بـ”الصلاة خير من النوم”، فيبتسم الجميع ابتسامةً حزينة، ثم يقولون لبعضهم: “لا… ليس هو”.
حتى جاء اليوم الذي عاد فيه عبد الجليل. كان المخيم ذلك العام في “بو النعايم”. لم يُخبر أحداً أنه قادم. وصل متأخراً ليلاً، دخل خيمته بهدوء، ونام.
وفي الفجر… قبيل الأذان، سمع المخيم صوتا مألوفا.. صوتا ظنّوا أنهم لن يسمعوه ثانية.. “الصلاة خير من النوم..”
فارتجف المخيم كله. خرج الناس من خيامهم نصف نائمين، ينظر بعضهم إلى بعض بدهشة، ثم انطلقوا يبكون وهم يركضون نحو مصدر الصوت.
وجدوا عبدالجليل واقفاً في وسط المخيم، يطوف كما كان يطوف قبل عشر سنين، يرفع صوته تارة ويخفضه تارة، يبتسم ودموعه على خدّيه. فالتفّوا حوله، يعانقونه، يقبلون رأسه وكتفيه، وهم يبكون كالأطفال.
قال أحدهم وهو يمسح دموعه: “يا أخ عبد الجليل… لقد كان الفجر يتيماً من دونك!”.
فابتسم عبدالجليل، ودموعه تلمع في ضوء الفجر الأول، وقال: “لما كنتُ في صلالة، أخرج فجرا إلى شاطئهم في بعض الأحيان، أنادي “الصلاة خير من النوم”، وأنا أتخيل أن صوتي يركب الريح ويصل إلى شاطئ “بو النعايم”…”.
ثم أكمل طوافه بين الخيام، وأذّن المؤذن، واصطفت الصفوف على الرمل، وكبّر الإمام، وكان ذلك الفجر من أجمل فجر مرّ على المخيمات كلها.
ومن يومها، صار كل من حضر ذلك الفجر يحكي لأبنائه وأحفاده: “كان لنا أخ اسمه عبد الجليل الجاسني.. إذا سكت هو، سكت الفجر. وإذا نادى هو، استيقظت القلوب قبل الأجساد”.
رحم الله عبدالجليل الجاسني، وجعل صوته في الجنة يوقظ أهلها لصلاة الفجر كما كان يوقظنا في بو النعايم وغيره.
“حي على الصلاة… حي على الفلاح…الصلاة خير من النوم”. صوتٌ لا تزال الأمواج تحمله حتى اليوم، كلما هبّ نسيم الفجر على شاطئ الجديدة.. صوتٌ لا يزال يرنّ في القلوب حتى اليوم.




