دراسة : “رأسمالية المراقبة” تهدد الديمقراطية بالمغرب وتحول الناخبين لأهداف للخوارزميات

حذّرت دراسة أكاديمية حديثة من المخاطر المتزايدة التي تشكلها التكنولوجيا الرقمية على استقرار المبادئ الديمقراطية، مؤكدة أن الفضاء الرقمي تحول من وسيلة لتعزيز حرية التعبير إلى أداة لـ”توجيه” السلوك السياسي عبر آليات غير مرئية تحكمها الخوارزميات ومنطق الربح.
الدراسة التي أنجزها الدكتور عبد العلي حامي الدين، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط- والصادرة في العدد الأخير من مجلة “كلية القانون الكويتية العالمية”- فككت مفهوم “رأسمالية المراقبة”، مبرزة كيف يتم استغلال البيانات الشخصية للتنبؤ بالاختيارات السياسية والتأثير عليها، مما ينقل مركز القرار من المؤسسات المنتخبة إلى المنصات الرقمية العابرة للحدود.
وتعد رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism) نموذجا اقتصاديا حديثا صاغته شوشانا زوبوف، يقوم على استخلاص البيانات السلوكية الشخصية عبر الإنترنت وتحليلها للتنبؤ بسلوك المستخدمين، ثم بيع هذه التوقعات في “أسواق العقود الآجلة السلوكية” لغرض الربح، مما يمنح شركات التكنولوجيا الكبرى سلطة التأثير على قراراتنا المستقبلية.
وتوقفت الدراسة عند الساحة المغربية كنموذج تطبيقي، كاشفة عن دور محوري للمال الرقمي في هندسة نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021. وأبرزت الأرقام تفاوتا شاسعا في الإنفاق على منصات “ميتا” (فيسبوك وإنستغرام) بين الأحزاب المتنافسة.
| الحزب السياسي | حجم الإنفاق الرقمي (بالدولار) | مدى الوصول الرقمي (مليون شخص) |
| التجمع الوطني للأحرار | 252,633 $ | 245.3 مليون |
| حزب الاستقلال | 25,668 $ | غير محدد |
| حزب العدالة والتنمية | 2,055 $ | 166.5 مليون |
وأوضح الباحث أن هذا الاستثمار الضخم في الإعلانات الموجهة، أعاد ترتيب أولويات العمل السياسي، حيث تراجع “الخطاب السياسي” لصالح “أدوات التأثير الرقمي” وتحليل البيانات الضخمة، مما يطرح إشكالات عميقة تتعلق بتكافؤ الفرص ونزاهة الاختيار الديمقراطي.
وسجلت الدراسة انحسار التفاؤل بالثورة الرقمية؛ فبدل أن يصبح الإنترنت فضاء للتداول الحر للأفكار، أفرز مجالا عاما يخضع لـ “اقتصاد الانتباه”، حيث يتم تفضيل المحتويات المثيرة والمستقطبة لضمان التفاعل، وهو ما يسهم في تغذية الاستقطاب المجتمعي وإضعاف الثقة في المؤسسات التقليدية.
ولم تغفل الدراسة التنبيه إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن والعدالة، مؤكدة أن الاعتماد غير المنضبط على هذه التقنيات قد ينتهك حقوقا دستورية أصيلة، مثل “قرينة البراءة” والمساواة أمام القانون.
وخلص حامي الدين في دراسته إلى أن الديمقراطية المغربية تواجه “تهديدا بنيويا” يتمثل في تحويل مراكز القرار إلى شركات تكنولوجية تسيطر على المجال العام، داعيا إلى ضرورة إيجاد مقاربات قانونية وفلسفية لحماية السيادة السياسية وحرية الاختيار من “تغول” الخوارزميات.




