أخبار الحركةالرئيسية-رسالة الإصلاح

فوز المغرب بثباته على قيمه وإشعاعه الإفريقي

  تابع المغاربة ومعهم كثير من الناس عبر العالم قرابة أربعة أسابيع فعاليات كأس إفريقيا للأمم. ولئن كان المنتخب المغربي لم يتمكن من الظفر بالكأس، وأصيب كثير من المغاربة بخيبة أمل، فإن المغرب حقق إنجازات كبيرة ينبغي أن نُذكر بها ونتذكرها لأنها تمثل الغنيمة الكبرى، التي ينبغي أن نعض عليها وأن نستمر في ترسيخها، ولعل من أهم ما يمكن عرضه في هذه الرسالة:

أولا: قيمنا الراسخة وأخلاقنا التي لا نحيد عنها؛

   أولى غنائم تنظيم المغرب لكأس إفريقيا هي الترويج لقيمنا الأصيلة، والحرص على التمسك بها مهما كانت الظروف والأحوال. فقد أظهر المغاربة منذ بداية الحفل الكروي مظاهر الترحيب بإخوة الدين والإنسانية من أفريقيا، وأبانوا على كرم الضيافة وحسن الاستقبال والتودد. وحين تعرض المغاربة لبعض أنواع الإساءة ممن يصطادون في الماء العكر فإن غالبية أهل المغرب لم ينساقوا معها، بل غلّبوا القاعدة القرآنية في الدفع بالتي هي أحسن؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35]. قال ابن عطية: ” هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم، والمعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن السير والفعلات، فمن ذلك بذل السلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك “.

ثانيا: رسائل الأخوة وترسيخ العمق الإفريقي؛

   إن النصر في مباراة كروية أو الهزيمة لا يجوز أن يتحول إلى طغيان وعلو، أو إلى يأس وقنوط، فهي لعبة يغلب عليها الحظ مهما أُحسن الاستعداد لها، فالمنتصر يفرح من غير كبر او استعلاء او استفزاز، والمنهزم يتقبل هزيمته بروح رياضية، وكم هو جميل وجضاري أن تنتهي المباراة الرياضية بفائز ومنهزم ثم يتصافح الفريقان في جو أخوي تكبر فيه الاخلاق.

إن العقلاء هم من يغلبون المصالح الكبرى والدائمة على المصالح الظرفية والطارئة. وإن حفاظ المغرب على علاقات الود والمحبة مع أشقائنا في إفريقيا خاصة السينغال التي تعود الروابط الدينية والتجارية معها إلى عصر المرابطين والموحيدن من أولى الأولويات التي ينبغي العمل عليها وتجنب خسارتها. ولقد كان الفريق الوطني في مستوى النبل والأخلاق حيث ظل أفراده وطاقمه متمسكين برباطة الجأش، وبحسن التصرف وكظم الغيظ رغم ما تلقوه من الطرف الآخر. وهي خصلة قرآنية ينبغي الارتقاء لها لنكون من المحسنين؛ قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]. ولا شك أن المغرب شعبًا ودولة، كان وسيظلّ سندًا ودعمًا لدول أفريقيا قاطبة، في التعاون، وفي التنمية، وفي نصرة القضايا العادلة، ولن تغيّر من هذا النهج تصرّفات طائشة، أو أصوات نشاز، من هنا أو هناك. فنحن في زمنٍ أحوج ما نكون فيه إلى ترشيد المشاعر، وتهذيب الخطاب، وربط الأحداث – مهما صغرت – بالبوصلة القيمية الكبرى: بوصلة التوحيد، وبوصلة الإصلاح، وبوصلة الأخلاق.

     تقول الحكمة العربية: ” معظم النار من مستصغر الشرر”. وكان النبي عليه الصلاة والسلام مدركا لخطورة الاستدراج للفتنة بين الإخوة. وكان يحذر من الانسياق مع نعرات الجاهلية. ومن أحداث السيرة النبوية التي تذكر بهذه الحقيقة؛ ما رواه البخاري عن  جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ – قَالَ سُفْيَانُ: مَرَّةً فِي جَيْشٍ – فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ[1]،  فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» وهي حادثة تؤكد قيمة وجود النبي عليه الصلاة والسلام بحكمته بين أصحابه، وتدعو إلى أن يحضر العقلاء من أبناء الأمة في كل زمان، ويحولوا دون ما يريده الصهاينة والأعداء من بث العدواة والبغضاء بين أبناء الأمة الواحدة.  

   إنّ الشعوب، بفطرتها السليمة، تميل إلى التعاون والتآزر، وتفرح بالتقارب، وتتأذّى من الصراع. أمّا أسباب التمزّق والتشاحن، فلا تأتي – في الغالب – من عمق الشعوب،

بل تصنعها فئات مغرضة، أو طامعة، أو جاهلة. وهنا نحتاج إلى أن تعلو أصوات الحكماء والعقلاء، الذين يقومون بتهدئة النفوس وبيان خطورة الانزلاق مع محاولات التجييش التي تخسر فيها كل الأطراف.

ثالثا: حي على مزيد الاستثمار في البنيات التحتية؛

   وإن مما يدعو إلى الفرح في وطننا أن المغرب قدم بحمد الله تعالى نسخة نموذجية لكأس الأمم الإفريقية، وأكد من خلالها استحقاقه وقدرته على الإسهام في تنظيم كأس العالم. وقد تجلى ذلك في البنية التحتية التي عمت أغلب المدن المغربية، سواء من حيث الطرق السيارة، أو خطوط سكة الحديد، أو المركبات السياحية والرياضية.

  وإننا على يقين أن المغرب بما حباه الله تعالى من إمكانيات قادر على أن يستمر في البناء والتأهيل لكل مدنه وقراه، وعلى أن يوفر الحاجيات الأساسية لكل أبناء الوطن إذا صدقت النيات والعزائم، وتحرر المواطن المغربي من نزعات الفساد والخيانة، وما ذلك على الله بعزيز. كما أن المغاربة سيظلون متشبثين بقيمهم الأصلية، مدافعين عليها في كل المناسبات، عاملين بقوله تعالى: {قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]

[1] كسع أي ضربه من الخلف، وقد ورد في رواية أخرى أن هذا المهاجري كان رجلا كثير البسط ولم يفعلها بنية الإساءة.

بقلم د. الحسين الموس

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى