نتائج “بيزا 2025” تفجر سجالا تربويا حادا بالمغرب

أثارت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ “PISA 2025″، الصادرة يوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026 عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، موجة واسعة من الانتقادات والسجال التربوي الحاد بالمغرب عقب حلول المملكة في مراتب متأخرة عالميا وتراجع أداء التلاميذ في التعلمات الأساسية.
واعتبر خبراء وفاعلون تربويون أن هذه النتائج تمثل صدمة تعكس عمق الأزمة الهيكلية وفشل الخيارات البيداغوجية المعتمدة، وعلى رأسها مشروع “مدارس الريادة”.
وفي المقابل، سارعت وزارة التربية الوطنية إلى التنصل من هذه النتائج، مؤكدة في بلاغ رسمي أن العينة المشاركة تمثل مخرجات المنظومة التعليمية السابقة ولم تستفد قط من نموذج “مدارس الريادة”، معتبرة أن التراجع يندرج ضمن سيرورة تراجع دولي عام أثرت على معظم الدول المشاركة.
وسلط الخبراء والفاعلون التربويون الضوء على الاختلالات البنيوية التي كشفت عنها النتائج؛ إذ صرح رئيس مؤسسة “أماكن” لجودة التربية والتعليم، عبد الناصر ناجي، بأن التركيز الأوحد لوزارة التربية الوطنية على مرحلة التعليم الابتدائي في مشروع “مدارس الريادة” أدى إلى إهمال السلكين الإعدادي والثانوي وتعميق الفوارق، ملقيا باللائمة أيضا على اعتماد منهجية “التعليم الصريح” القائمة على التكرار والتي تقتل التفكير النقدي والإبداع الممتحن في “بيزا”.
كما حذر ناجي من “القطيعة اللغوية” بين التدريس بالعربية في الابتدائي والانتقال المفاجئ لفرنسة العلوم بالإعدادي والثانوي، فضلا عن المركزية الخانقة التي جمدت دور الأكاديميات الجهوية.
وفي السياق ذاته، وصف الوزير السابق والخبير التربوي الدكتور خالد الصمدي بلاغ الوزارة بـ”الفضيحة”، متسائلا عن أسباب استبعاد تلاميذ “مدارس الريادة” من التقييم الدولي طالما تسوق الحكومة لنجاح التجربة، ومتسائلا كيف تتبرأ الوزارة من ملايين التلاميذ في مدارس الهامش.
وأشار الصمدي إلى أن تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين الصادر في مارس 2025 أقر سابقا بأعطاب تجربة الريادة وصعوبة تعميمها ومخالفتها لمرجعيات القانون الإطار 51.17.
من جهته، نبه المفتش التربوي السابق محمد سالم بايشى إلى أن حلول المغرب في المرتبة 82 من أصل 90 دولة يكشف زيف “شهادات المجاملة” السياسية، داعيا إلى إعادة النظر في فرض اللغة الفرنسية وإصلاح الاختيارات البيداغوجية.
وفي المقابل، دافعت وزارة التربية الوطنية عن حصيلة إصلاحاتها، حيث أوضحت في بلاغ صحفي أن العينة الوطنية التي شملت 6978 تلميذا بعمر 15 سنة موزعين على 179 مؤسسة ثانوية إعدادية خضعت للاختبارات دون أن تكون منخرطة في مشروع “مدارس الريادة”.
وأكدت الوزارة أن هذه النتائج تشكل تشخيصا للحصيلة التراكمية للمنظومة التربوية السابقة وللتعثرات الممتدة من سنوات الابتدائي الأولى، ولا يمكن منهجيا إسقاطها على نتائج الإصلاح الحالي المندرج ضمن خارطة الطريق 2022-2026.
وشبهت الوزارة التراجع الوطني بمنحى التراجع العالمي الصادم الذي شهدته أغلب دول منظمة التعاون والتنمية في الرياضيات والقراءة والعلوم، مشددة على أن التقييم المنصف لنموذج “مدارس الريادة” يتطلب الانتظار حتى وصول التلاميذ المستفيدين منه فعليا منذ سنواتهم الأولى إلى سن الخامسة عشرة في التقييمات الدولية القادمة.
وكشفت البيانات التفصيلية لتقرير “بيزا 2025” عن تسجيل التلميذ المغربي 358 نقطة في العلوم، و355 نقطة في الرياضيات، و321 نقطة في الفهم القرائي، مسجلا تراجعا بـ 7 نقاط في العلوم، و10 نقاط في الرياضيات، و18 نقطة في القراءة مقارنة بدورة 2022.
كما كشفت المؤشرات أن أزيد من 73% من التلاميذ المغاربة لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات الأساسية (المستوى الثاني) في المجالات الثلاثة، حيث اقتصرت نسبة التحكم على 23% في العلوم، و16% في الرياضيات، و13% فقط في القراءة.
ورغم هذا العجز، لفتت الوزارة إلى أن مجال العلوم سجل أفضل أداء نسبي للطلاب، خاصة في مكونات النمذجة والبرمجة وأساليب البحث العلمي، مؤكدة التزامها بتعزيز الدعم التربوي وتوسيع نموذج “مدارس الريادة” ليشمل الإعدادي بفعالية أكبر.




