موقف الحركة الإسلامية إزاء تدمير غزة – شيروان الشميراني

غالباً عند تناول موقف الحركة الإسلامية في عمومها تجاه قضايا تمس الأمة المسلمة كانت تتهم بأنها تبالغ في التصوير، وأن الأمور ليست بتلك الحدّة ولا بتلك الشدّة، أو إنها تهول من الأحداث وإلا فإن الأمر مع سوءه فهو أقل نسبة من السوء الذي تحاول أجنحة الحركات الإسلامية تسويقه للشارع المهتم.

لكن يبدو أن التقييم لها مختلف في تعاطيها مع الحرب الصفرية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، في هذه المرة ردات فعلها أقل بكثير مما ينبغي أن تكون، وهي أقل حركة مما هو مطلوب منها فعله وجوباً، مع أنها معنية أكثر من غيرها إزاء غزة بالإستناد إلى الحقائق التالية: –

أولاً: إن الحرب الدائرة الآن على أرض فلسطين لم تنبع من قضايا قومية بحتة، وإنما من منطلق ديني واضح، أي أن الحجج الدينية والقومية الممزوجة بالدين هي التي تساق لتبرير ما يجري من تحطيم كامل لبنيان غزة والتي هي امتداد للقضية الأساسية والقدس والأقصى، فهي قضية إسلامية من دون نفي العناوين الأخرى، وبحكم العقيدة الدينية التي عملت الحركة الإسلامية على حملها للأمة والمجتمع البشري، وبحكم الصراع التاريخي غير المنقطع رغم الحداثة المزمعة، هي معنية قبل غيرها بالدخول والتدخل وكسر الأطر التقليدية في العمل.

ثانياً: إنها رفعت راية الجهاد في سبيل تحرير الأقصى منذ نشوئها، وشاركت بقوة شبابها تحققاً لفكر إسلامي تحمله واعتمادا على توكلٍ على الله يسندها في عمليات التحرير منذ النصف الأول من القرن العشرين، وهي المؤسِّسة لحالة الجهاد الإسلامي، وعملت على ربط القضية بالأمة المسلمة بإصرار، ولم تأل من بذل الجهد لمناصرة أهل الرباط حين وقوع فلسطين تحت الاحتلال البريطاني أيام عزالدين القسام، بمعنى أنّ اللون الديني الذي يصبغ العمل الجهادي في فلسطين منها هي، ومن فكرها، بذلك اللون الناصع نجحت في إزاحة الأفكار المستوردة التي ضلت الطريق وانحرفت بالقضية بعيدة.

ثالثاً: إن الجهة التي تكالبت عليها دول الاحتلال العالمي لفلسطين بغية إستئصالها في مواجهة عدمية غير متكافئة ولِدت من منها، أقصد حركة المقاومة الإسلامية، هي بنت فكرها وثمرة تربيتها، وحاملة رايتها، وهي التي تردد شعارها بأن الله غايتنا والجهاد سبيلنا، فهي التي ترفع راية التحرير ليس بالأيادي وإنما بالصدور التي تتلقى الرصاص حين تلوّن الراية البيضاء بالدماء الزكية، إن حماس هي ممثلة الأمة الإسلامية في هذه المواجهة المميتة، وخرجت من رحم الحركة الإسلامية وتنوب عنها، هي التي أوحت إليها بأن العمل الجهادي هو السبيل الذي لا بديل عنه إذا أريد للأرض والمقدسات أن تتحرر، إن التخلي عنها كمن يتخلى عن قطعة من جسده الحي النابض، من قطعة تشكل عنوان الوجود وليس أي جزء آخر من الجسد.

فهل وصلت الحركة الإسلامية العالمية إلى ما وصل إليه بنوإسرائيل وهم يجادلون القائد الرسول “موسى- عليه السلام”، عندما قالوا له {إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} ؟، هذا التخلي العملي عن حماس ومن معها من إخوة النضال والأخوات أقل درجة وأدنى مرتبة من مقولة بني إسرائيل لنبيهم، فإن الصهيونية الدينية أسرع إستجابة لنداءات أصحابها وأجدى نجدة من إستجابة الحركة الإسلامية ونجدتها لأهل غزة، وربما قد وصلت الشعوب المسلمة إلى ما وصلت إليه الحالة النفسية المهزومة لبني إسرائيل في حينها، وما الحركة الإسلامية سوى جزءٍ من هذه الشعوب.

رابعاً: هناك حقيقة جلية في هذه الحرب، وهي واضحة جداً لا تخفى في مجمل ما يدور في المنطقة منذ ما أطلق عليه بالربيع العربي، وهي أن المنطلق لمحاربة حماس عربياً ودولياً على الأقل في هذه المرحلة، هو فكرها الذي تفتخر به وتتباهى، أي الفكر الإسلامي، ولو أردنا الدقة في التحديد لقلنا إنتماءها للحركة الإسلامية الحديثة، فهي متروكة لوحدها في ساحة الحرب لهذا السبب الرئيس، متروكة ليس بمعنى الامتناع عن تقديم العون والمساندة، وإنما المشاركة في الحرب عليها وتقديم العون والمساندة للطرف الآخر لإفنائها، فهي تدفع الثمن مرتين، مرة لأنها تناضل من أجل تحرير الأرض وتواجه على إثره قوى العالم العظمى ومخططاتها كما هي حال كل حركات التحرّر الوطنية، ومرة لأنها بنت أحزاب وحركات الإسلام السياسي، وإنتصارها هو إنتصار لفكر هذه الحركة وتوسيع لدائرة تأثيرها، وإن هذه الدول العربية وغير العربية تقف بالضدّ من كل إمتداد لتأثير الفكر الإسلامي المعاصر وسط شعوبها، وبالتالي العمل على وأده من مهده، وكان جلياً ذلك منذ 2011 فما بعدها، إن الموقف من حماس لا يخرج عن ذلك، وهو قطع الطريق أمام كل كيان رسمي يحمل الطابع الإسلامي، ويستند إلى المرجعية الإسلامية، والقرار أن لا تفاهم معه، لا تفاهم سوى بالإنقلاب عليه وإخراجه من المشهد السياسي الرسمي المحلي والإقليمي والدولي، ولتذهب الدمقراطية والرأي الغالب للشعوب إلى الجحيم مع مشاكسة الدول التي تولي اهتماماً إنسانياً وسياسياً بغزة ومضايقتها.

خامساً: إن كل معنيّ يقرأ النقاط الأربع السابقة، يتساءل: ما الذي قدرنا عليه ولم نفعله؟

قبل الإجابة، لينظر المتساءل حول محيطه متأملاً، هل كنتُ قادراً على شيء وامتنعت عنه؟ قبل الإجابة يجدر الإستماع لقادة حماس ليقولوا ما الذي أنت قادر على فعله الآن، والكلام هنا موجه إلى المتبوبين المناصب القيادية في تلك الحركات، وليس إلى دائرتها العامة، ليس القصد هنا العمل المسلح، ففي غزة ما يكفي وزيادة، لو عدنا إلى خمس عشرة سنة الفارطة، ربما نجد الكثير من الأحداث توحي بأن الحركات الإسلامية ومعها الكيانات والمجموعات والأحزاب السياسية المتخالفة معها في الفكر والايدولوجيا قادرة على فعل أشياء جيدة، مثلاً، التظاهرات التي عمّت شوارع مدن الدول التي شهدت الإحتجاجات خلال تلك الفترة، التضحيات التي قدمتها الشعوب  لتحطيم قيود الإستبداد المطلق في دولها، الإصرار الذي شهده العالم كله من الشعوب الرافعة لشعار الحرية، إعتصام الساحات، أين ذهبت تلك الروح وكيف خبت؟

حتى لو لم تكن تحركاتها حاسمة لكنها تدفع بالحكومات الى اتخاذ مواقف مختلفة عمّا تأخذه في هذه الأيام القاتمة، ربما تحتاج الدول صاحبة الكرامة الى قوة دفع جماهيرية لتتحرك، وتجد نفسها أمام الضغط ومن ثم تخفف الضغط المضاد عليها وتبدأ بالعمل الجاد، لكن لا شيء، لا شيء، سوى نذر يسير جدّاً لا تصلح للإعتماد عليه.

إن هذا العجز المخجل إزاء مذبحة القرن التي أحرقت الأرض واشتعلت السماء، عجز الحركة وهزالها، يضع الكثير من علامات الاستفهام أمام أمتية شعاراتها، ومستقبلها داخل دولها القطرية.

إنه لمن المعيب رؤية مسيرات وإعتصامات شبابية أكثر حضوراً وأشدّ ضغطاً في الغرب منه في الدول الإسلامية، وعجيب أن ترى جامعيون وجامعيات في الغرب من غير المسلمين حتى من اليهود، يعتصمون ويُحرَمون من الدراسة تجسيداً لإيمانهم بالحقوق الإنسانية، لكن الجامعات في الدول المعنية بالقضية ينحسر تفكير طلابها في عرض نزوات المراهقة وبسطها في الممرّات، ومن ليس كذلك فهو ساكن سكون مَنْ نبضُ قلبه يميّزه عن الموات.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى