بجهة الوسط.. منتدى “تدبر” يسلّط الضوء على الأسرة المحمدية في القرآن الكريم

نظّم قسم الأسرة لحركة التوحيد والإصلاح بجهة الوسط يوم الجمعة 13 فبراير 2026، الدورة الثانية من “منتدى تدبر” في ندوة علمية حملت عنوان “الأسرة المحمدية في القرآن الكريم” من تأطير عضو المكتب التنفيذي للحركة الأستاذ الحسين الموس.
وشكّلت الندوة مناسبة للوقوف عند الأبعاد القرآنية والتربوية للأسرة النبوية، باعتبارها نموذجًا إنسانيًا متكاملًا للاقتداء في جوانبها العلمية والتعبدية والعاطفية والسلوكية والاجتماعية.
استهلّ الأستاذ الحسين الموس مداخلته بمقدمات منهجية حول مركزية الأسرة في القرآن الكريم، مبرزا المكانة الكبرى التي نوّه بها القرآن للأسرة؛ إذ فصّل أحكامها تفصيلا واسعا في قضايا الزواج والطلاق والبنوة والعلاقات الأسرية، بخلاف كثير من الأحكام الأخرى، مما يدل على أهميتها الكبرى في البناء المجتمعي.
وأكد أن الأسرة لبنة أساسية في صلاح المجتمع وإصلاحه، وأن البيت النبوي مصدر للاقتداء والتأسي. كما أشار إلى أن الجوانب التربوية للبيت النبوي حاضرة في سور متعددة من القرآن الكريم، حيث قصّ القرآن أخبار البيت النبوي دون تركيز على الأسماء بقدر ما ركّز على المعاني والعِبر والمواعظ.
واعتبر الموس أن الجانب العلمي من أعظم الجوانب، لأن العبادة لا تتم إلا بعلم، مبينا أن البيت النبوي كان بيت علم وفقه. فالسيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها تُعد من أفقه نساء الأمة على الإطلاق، ومرجعًا للصحابة في الفقه والعلم، حيث كانوا يستشيرونها في أعقد المسائل الفقهية والشرعية. ولم يقتصر عطاؤها على رواية الحديث، بل برعت في الفقه والتفسير والأدب، وعُرفت بكثرة التعليم والتبليغ.
كما كان لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها دور بارز في الفقه وحسن الفهم ومؤازرة النبي ﷺ، كموقفها يوم صلح الحديبية. وذكر كذلك ما عُرف عن سودة بنت زمعة رضي الله عنها من فقه ورواية، مشيرا إلى توريث العلم والفقه للأبناء والأقارب داخل البيت النبوي.
وتناولت الكلمة مظاهر التعبد في البيت النبوي، والتعاون على أداء العبادة من صلاة في الأهل والأبناء، والأمر بإقامتها، إضافة إلى الصيام والزكاة والحج والاعتكاف والذكر، بما يعكس روح التزكية والتعاون على البر والتقوى داخل الأسرة.
وأكد الأستاذ الحسين الموس أن الأسرة النبوية لم تكن خارجة عن الفطرة الإنسانية وما جُبلت عليه من مشاعر وانفعالات، وأن القرآن الكريم سجّل تلك المواقف داخل البيت النبوي ليعلّم الأمة سبل التهذيب وضبط النفس، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.
وتوقف عند موضوع الغيرة في البيت النبوي، مستحضرًا آيات سورة التحريم، وزواج النبي ﷺ من أم سلمة رضي الله عنها، والدعاء بذهاب الغيرة، موضحًا أن الغيرة ليست حكرًا على الضرائر، بل قد تكون بين الإخوة والأقارب، كما في قصة يوسف عليه السلام.
وبيّن ضوابط الغيرة حتى لا تتحول إلى حسد أو ظلم أو تآمر أو إفشاء أسرار، وألا تكون سببا في منع الخير عن الغير. كما استحضر قصة الاعتزال والتخيير، وحديث “إنما بُعثت معلّمًا ميسّرًا”، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة التحريم الذي رواه صحيح البخاري، بما يعكس قيمة التغافل والحكمة في إدارة الخلاف الأسري.
وتناول المتحدث كذلك موضوع الغضب وكظمه، والرجوع إلى العفو والصفح والحب في البيت النبوي، مؤكدًا أن الحياة الزوجية تقوم على المحبة، وأن الحب لا يمنع من العدل، مستشهدًا بإعلان النبي ﷺ حبه للسيدة عائشة رضي الله عنها، وبمشاهد تعلقه بأبنائه وأحفاده في مواقف متعددة.
وفي المحور السلوكي والاجتماعي، أبرز اللقاء قيمة البذل والعطاء في البيت النبوي، واستجابة أمهات المؤمنين لآيات النفقة، خاصة بعد الثناء الإلهي في قوله تعالى: ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾.
واستحضر مواقف الإنفاق لدى السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي أنفقت مالها في نصرة الدعوة، وكذلك إنفاق السيدة عائشة رضي الله عنها وقصتها مع عبد الله بن الزبير، ومفاضلة الذهبي بين عائشة وخديجة، إضافة إلى نفقة سودة بنت زمعة رضي الله عنها، التي وُصفت بأنها “أطولكن يدا”.
كما توقف المؤطر عند دور الزوجات في دعم الدعوة ومؤازرة النبي ﷺ، مستشهدا بموقف خديجة رضي الله عنها عند نزول الوحي، وموقف أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية، حين أشارت على النبي ﷺ أن ينحر هديه ويحلق، فكان في رأيها سكينة للأصحاب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾ (الفتح: 4).
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن الأسرة النبوية مدرسة قرآنية متكاملة للاقتداء في جوانب الخير كلها: العلمية، والتعبدية، والسلوكية، والاجتماعية، والعاطفية. كما شدد اللقاء على ضرورة حسن تدبر القرآن الكريم والوقوف على كنوزه، والاطلاع على السيرة النبوية باعتبارها كنزًا عظيمًا لفهم معاني الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده.
إبراهيم حليم




