معجزة الإسراء والمعراج: بصائر ومعالم – نزيهة امعاريج

الإسراء لغة: من سرى به، وأسرى، وهو السير بالليل وقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الاسراء/1] معناه سيّر عبده، يقال: أسريت وسريت إذا سرت ليلا، وأسراه وأسرى به… وإنّما قال سبحانه: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا}[الإسراء/1]. وإن كان السرى لا يكون إلا بالليل للتّأكيد([1]).
والمعراج من عرج… يعرج عروجا أي ارتقى وارتفع، وفي التّنزيل: {تعرج الملائكة والروح}[المعارج/4] إليه أي تصعد، وفيه {من الله ذي المعارج}[المعارج/4] المعارج المصاعد والدرج… وقيل معارج الملائكة وهي مصاعدها التّي تصعد فيها وتعرج فيها([2]).
وشرعا: نريد بالإسراء الرحلة –الأرضية- التّي أكرم الله بها نبيّه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالقدس، أمّا المعراج فهو ما أعقب ذلك من العروج به إلى طبقات السماوات العلا ثم الوصول به إلى حد انقطعت عنده علوم الخلائق من ملائكة وأنس وجِن كلّ ذلك في ليلة واحدة([3]).
دليل وقوعه:
ثبت وقوع الإسراء والمعراج بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى مُفْتَتِحا سورة الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنّه هو السميع البصير} [الاسراء/1].
ومن السنة قول النّبي صلى الله عليه وسلم: بينما أنا في الحطيم وربّما في الحجر مضطجعا..” ([4])
أمّا الإجماع، فإجماع الأمّة على أنّ معجزة الإسراء هي من أعظم معجزات النّبي صلى الله عليه وسلم.
هذا فيما يخصّ الإسراء أمّا عن المعراج فالشاهد بحسب مفسري الأمة قوله تعالى: {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالاُفق الاَعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو اَدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذّب الفؤاد ما رأى}[النجم/5].
وقوله عزمن قائل: {ولقد رآه نزلة اُخرى عند سدرة المنتهى}[ النجم/5].
وقوله: {فكان قاب قوسين أو اَدنى}[ النجم/8] قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أنّه رأى جبريل له ستمائة جناح»([5]). وقوله تعالى: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}[النجم/18] روي أنّه رأى جبريل له ستمائة جناح، أو أنّه رأى رفرفا أخضر قد ملأ الأفق([6]).
وقوله تعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى}[النجم/16] عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لما أسرى بالنّبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة… غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس»([7]).
أما الإجماع فما سبقت الإشارة إليه من إجماع الأمة على أن الإسراء والمعراج من أعظم معجزات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
نص الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التّي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل عليه السلام : اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال :جبريل، قيل: ومن معك؟ قال :محمد، قيل: وَقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلام، فقيل :من أنت ؟قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل :وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال : جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال :محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال عز وجل: {ورفعناه مكانا عليا} ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا ؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون عليه السلام، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى عليه السلام، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا قال جبريل؟ قيل: ومن معك؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه؟ ففتح لنا فإذا بإبراهيم عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض الله عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى عليه السلام فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة ،قال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف فإنّ أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربّي، فقلتّ يا رب خفف على أمتّي فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا، قال: إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى، قال: يا محمد إنّهن خمس صلوات كلّ يوم وليلة، لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هَمّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى عليه السلام فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف فقال رسول الله عليه السلام: فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتى استحيت منه»([8]) …
ولما كانت صبيحة اليوم حدّث النبي صلى الله عليه وسلم قومه بما شاهد فتحداه المشركون أن يصف لهم بيت المقدس، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” لما كذّبتني قريش قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه”،([9]) وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم «فذهبت أنعت… فجيء بالمسجد فنعته وأنا أنظر إليه»([10]).
بصائر ومعالم معجزة الإسراء:
1- معجزة الإسراء والمعراج كانت بعد سلسلة من الاعتداءات الشّديدة على شخص النّبي صلى الله عليه وسلم من كفار قريش، فبعد الاستهزاء والتّكذيب والسّخرية والاتهام بالجنون والسحر، جاء الإيذاء الفعلي، فهذا أبو لهب بن عبد المطلب عم النّبي صلى الله عليه وسلم يلقي بالقذر على بابه، وهذه زوجته أم جميل تضع الشوك في طريقه صلى الله عليه وسلم([11])، وهؤلاء أهل الطائف ينالون من شخصه الكريم بعد أن عرض نفسه عليهم، فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الكريمتين([12])، وقبل ذلك كان الحصار المادي الذي فرض عليه من طرف كفار قريش حوالي ثلاث سنوات([13]).
2- لمّا كان الجزاء من جنس العمل، فإنّ حجم عطائه سبحانه وتعالى لنبيه الكريم إنّما كان بحجم إنجازه، لهذا افتتح الحديث عن معجزة الإسراء بما يدل على قدرته تعالى على مثل هذا المنح العظيم، حيث قال: {سبحان الذي أسرى}[الاسراء/1]، وسبحان هو اسم عَلَم للتّسبيح، ومعناه تنزيه الله عز وجل في ذاته وصفاته وأفعاله عن صفات وأفعال البشر، لقدرته عمّا يعجزون عنه ، والقصد تصديق رسوله الكريم فيما سيُخبر به من أمور فوق قدرة البشر، لمّا أنّ قدرته تعالى مخالفة لقدرتهم، فالإسراء به صلى الله عليه وسلم من بيت الله الحرام بمكة إلى بيت المقدس بفلسطين ثم العروج به إلى السماوات العلى في جزء من الليل، من مقتضيات هذه القدرة، وهذه سنته تعالى مع رسله الكرام، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:” ما من الأنبياء من نبيّ إلاّ قد أعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر” ([14])إذا فمن سخر الريح لسليمان و ألآن الحديد لداود وفلق البحر لموسى قادر على أن يحقق الإسراء والمعراج لمحمد عليه الصلاة والسلام.
3- من مقاصد هذه الرحلة الخاصة بشخص النّبي الكريم بيان فضله صلى الله عليه وسلم، حيث قال الله تعالى: {لنريه من آياتنا}[الاسراء/1] وقال في حق إبراهيم عليه السلام: {وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والاَرض}[ الانعام/75]، «فالذي رآه إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، والذي رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعض آيات الله تعالى، ولا شك أن آيات الله أفضل»([15]).
وفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء بمناسبة معجزة الإسراء والمعراج من وجوه:
أ- جمع الأنبياء السابقين وتقديمه للصلاة بهم تشريفا وتكريما له صلى الله عليه وسلم.
ب- رؤيته لآيات الله الكبرى.
ح- النظر إلى وجهه الله الكريم، وهي إمّا رؤية عين كما في رواية ابن عباس رضي الله عنه([16]) أو رؤية فؤاد بحسب قول عائشة رضي الله عنها، فكانت الخلّة لإبراهيم، وكان الكلام لموسى وكانت الرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم.
3- في هذه الرحلة المباركة غفر لأمته محمد “المقحمات” –أي الكبائر- وفتحت أبواب التوبة في وجه العصاة من هذه الأمة، وهذه هبة ربانيّة وهو فضل إلهي خُصّ به دين خاتم الأنبياء والرسل. ليتفضّل بذلك عن الأديان السّابقة حيث كانت النفس البشرية لا تطهر إلا بالقتل، قال الله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}[ البقرة/54].
4- في هذه الرحلة المباركة فرضت الصلاة، وهي معراج ترتقي فيه النفس البشرية في اليوم والليل طلبا للقرب من مولاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد}([17]) {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}[البقرة/222].
فكانت هذه الفريضة عنوان الطاعة والطهارة، وصلة وصل بين الخالق والمخلوق.
5- التيسير والتخفيف على أمة محمد رحمة بهم وشفقة عليهم بتخفيف الصّلوات الخمسين إلى خمس صلوات، حيث قل العدد وتضاعف الأجل.
6 – إن الإسراء من بيت الله الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالشام دليل على أن الإسلام هو دين الله الواحد، وهو الدّين الذّي بعث به الأنبياء صلوات الله عليهم من آدم إلى محمد، فجمع الأنبياء السابقين ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة إعلام أن أنبياء الله صلوات الله عليهم يصدّق بعضهم بعضا في رسائلهم، وأنّ دين الله الإسلام وكلمته إلى خلقه قد أخذت تمامها وكمالها على يد خاتم الرسل والأنبيّاء محمد صلى الله عليه وسلم.
7- أنّ الإسلام هو دين الفطرة، فحقّه على أتباعه الدّعوة إليه والتّبشير به رحمة للعالمين إسعادا للناس في الحال والمآل، ففي شرح الحديث، «جعل اللبن علامة له لكون اللبن سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين سليم العاقبة، وأما الخمر فإنّها أم الخبائث وجالبة لأنواع من الشر»([18]) ..
8 – أنّ اسراءه ومعراجه صلى الله عليه وسلم كان فيصلا بين الحق والباطل والشك واليقين، ففيه تميزت الصفوف فارتد من ارتد وثبت من ثبت.
9- في هذه الرحلة وقف النّبي صلى الله عليه وسلم على مصير السعداء والأشقياء، وهي مناسبة إلى التّأمل والحذر والخوف من الخالق سبحانه بامتثال أمره واجتناب نهيه.
10- في كل سماء كان يمرّ بها النّبي صلى الله عليه وسلم كان يجد التّرحيب والدعاء من إخوانه الأنبياء، وفيه: «استحباب لقاء أهل الفضل بالبِشر والتّرحيب والكلام الحسن والدعاء لهم و … جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة»([19]).
11- المنح الربّاني والفضل الإلهي بمضاعفة أجور الأعمال الصالحة، فعند الإمام مسلم: «إنّهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة»،([20]) وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين»([21]).
12- الالحاح في السؤال، فقد راجع النّبي صلى الله عليه وسلم ربّه أكثر من مرة طلبا للتخفيف من عدد الصلوات.
13- استحباب الاستئذان بالاسم: وأنّه «من أدب الاستئذان أن المستأذن يسمي نفسه لئلا يلتبس بغيره»([22]).
ففي كل سماء كان جبريل عليه السلام يستأذن باسمه.
14- بذل النّصيحة للإخوان كما فعل موسى مع النّبي صلى الله عليه وسلم.
15- تشريفه صلى الله عليه وسلم بالعبودية، فقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده}[ الاسراء/1] قد «أجمع المفسرون على أنّ المراد محمد عليه الصلاة والسلام»([23]) :” فلمّا وصل محمد صلى الله عليه إلى الدرجات العاليّة والمراتب الرّفيعة في المعراج أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم أشرفك؟ قال: يا رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية.” ([24])
فكان أن شرّفه سبحانه وتعالى بالعبودية ونسبه إليه، والعبودية في اصطلاح العلماء هي غاية المحبة مع غاية([25]) الطاعة ومن أبلغ المعاني في المقام:
أ- أنّه صلى الله عليه وسلم أشرف العباد وأكرمهم عند الله سبحانه لمِا حققه من المحبة والطاعة.
ب- إقرار المعنى الصحيح لطبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وأنّها علاقة عبوديّة لا علاقة أبوّة ولا بنوّة كما حكاه الله تعالى عن المشركين وعن بعض الفرق الضالة من أتباع الديانات الأخرى. قال الله تعالى: {وقالوا اتّخذ اللهُ ولدًا، سبحانه، بل له ما في السّماوات والارض، كلّ له قانتون} [البقرة/116] وقال أيضا: {قالوا اتّخذ اللهُ ولدًا سبحانه هو الغنيُّ له ما في السّماوات وما في الارض} [ يونس/68] فالأخذ بهذا القول باطل و هو افتراء يتنزه عنه خالق السماوات والارض،:”فالوَلَديَّة تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت، فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ثمَّ إن البُنوة تنافي.. العبودية… فكيف يكون ولد عبدا، هذا محال وما أدى إلى المحال محال،” ([26]) فالحاجة إلى الولد نقص و افتقار يتوسّل إلى التغلب عليه بالخلف، ومن كان وصفه الغنى والقدم والبقاء استحالت في حقه تلك الأحكام ، قال الله تعالى : {هو الاَول والآخر}[الحديد/3] و قال أيضا : {وما ينبغي للرّحمن أن يّتّخذَ وَلَدًا}. [مريم/92]
ج- أنّه إسراء محقّق بالجسد والروح، لمَّا أنّ اسم العبد جامع لهما ودليله، قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى}[العلق/10] وقوله تعالى: {وأنّه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا}[الجن/19 فلو كان إسراء بالروح دون الجسد أو من قبيل ما رآه النّبي الكريم في المنام لما أنكرته قريش لأنّ الإنسان يرى في المنام ما لا حدود له، ثمّ إنّنا نعلم بضرورة العقل وإلزام الحواس أنّ الذّي يُحمل فوق الدّواب إنّما هو البدن والروح جميعا، و قد أجمعت الأمة أنّه صلى الله عليه وسلم حُمل فوق البراق و الأحاديث الصحيحة أكدت ذلك.
16- أنّ معجزة الإسراء والمعراج كانت ليلا، واللّيل هو زمن اللقاء بين الأحبة، وتخصيص المولى عز وجل المقربين من عباده الصالحين بالمفازات الليلية أمر مطرد في كتابه العزيز، قال تعالى عن إبراهيم: {فلمّا جنّ عليه الليل}[الانعام/76]. وقال عن لوط {فاسر بأهلك بقطع من الليل}[هود/81] وقال عن موسى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة}[الاعراف/142] وقد ناجاه ليلا، كما أمره بإخراج قومه ليلا حين قال له: {فاسر بعبادي ليلا}[الدخان/23] وقد استجاب دعاء يعقوب ليلا حيث قال: {سوف أستغفر لكم ربي}[يوسف/98].
ثم إن زمن الليل هو وقت استجابة الدعاء، ونزول القرآن الكريم إنّما كان في الليل قال الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}.[القدر/1]
17- أنّه صلى الله عليه وسلم صلى بإخوانه الأنبياء إماما ببيت المقدس قبل العروج به إلى السماء([27])، وأولى الناس بإمامة المصلين هو صاحب هذا البيت، وفيه إشعار بأن أولى الناس بهذا البيت هذا النّبي الكريم وأتباعه من المصدقين بهذا الدّين.
18 – أنّ دين الأرض المقدّسة هو الإسلام، ليتقرر به أنّ الورثة الشّرعيين لهذه الأرض إنّما هم أتباع الإسلام، وأنّ الحفاظ على إسلاميّتها واجبهم الشرعي.
19- تخصيص بيت المقدس بإسراء نبينا الكريم تشريف لهذا البيت وإعلام بقدسيّته، ومن مقتضياته التّعبد فيه عمارته والمرابطة فيه والدفاع عنه.
20- حكم التّبريك الجامع بين المسجدين؛ المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى ببيت المقدس، قال الله تعالى: {إن أوّل بيت وُضع للنّاس للّذي ببكّة مُباركاً وهدى للعالمين} [آل عمران/96] وقال أيضا:” {الذّي باركنا حوله،}” [الإسراء/1] فالمسجد الأقصى والمسجد الحرام صنوان في الفضل البركة، والتفريق بينهما في هذا الفضل الإلهي والمنح الربّاني مكابرة وعناد.
21- الرّبط المتين والشّد القوي بين المسجدين المباركين، المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى المبارك بيت المقدس، بحسب الآية الكريمة من سورة الإسراء، وأنّ فكّه مؤذن بالجراءة عليهما معا، وبخاصة مع الأطماع الاستعمارية التّوسعية الصّهيونية، وطموحاتهم التّوراتية في إقامة إسرائيل الكبرى ديدن قادة الصهاينة المجرمين، وهو تهديد لا يأمن معه مسجد من مساجد الأرض.
22- العناية بالمساجد واحياء دورها في حفظ هوية الأمة وتأكيد انتمائها الحضاري، وأوْلى المساجد بذلك فخرها الثّلاثة التّي تشد إليها الرحال، والمُقدّم منها في حاضرنا بالنّظر إلى ما يتعرض له من اعتداء تدنيس على يد الصّهاينة، المسجد الأقصى المبارك بأرض فلسطين، وهي مسؤولية جميع المسلمين وليست وقفا على الفلسطينيّين.
23- التّعبد بعمارة هذا المسجد وتأمين العبادة فيه، تجنبا لوعيد خراب المساجد الذي توعد به المولى عز وجل في قوله: {ومن اَظلم ممّن مّنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها}. [البقرة/114]:” وخراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنّصارى بيت المقدس … ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها.” ([28]) والخطاب عام لكل المسلمين.
24- فضل عبادة الجهاد، حيث قال النّبي صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين»([29])، وهذا الكلام شهد له أكثر من دليل في كتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم، فمن القرآن نجد نحو، قول الله تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}. [التوبة/41] ومن السنة نحو قول النّبي صلى الله عليه وسلم: “الجهاد ذروة سنام الإسلام”، ([30]) ومن ثمة فإن الأمة مدعوة إلى إحياء مفهوم الجهاد، وبيان حقيقة حكمه، وأنّه ليس من المستحبّات وإنّما هو من الواجبات الشرعيّة، وأنّ جهاد العدو بأرض فلسطين هو حقهم للدفاع عن أنفسهم وحماية وطنهم ومقدساتهم، فضلا عن كونه حقهم في الاستقلال والحرية والعيش الكريم كما كفلته لهم القوانين الدولية وبرتوكولات حقوق الإنسان.
25 – قاعدة اليُسر بعد العسر، قال الله تعالى: {فإنّ مع العسر يسرا، إنّ مع العسر يسرًا} [الشرح/ 5-6] ووعده سبحانه نافذ، فبعد التّضييق الذي لقيه صلى الله عليه وسلم من كفار قريش جاء الفرج وكانت التسلية بمعجزة الإسراء والمعراج، ومن جنس ذلك في حاضرنا فرج الفلسطينيين بمناسبة طوفان الأقصى المبارك، فبعد كثرة محن وشدة الابتلاء كان الفرج والسلوان.
26- سنة الله في نصرة رسله وأتباعهم المؤمنين وإهلاك المكذِبين برسائلهم المنكرين معجزاتهم، قال الله تعالى: {وكان حقّا علينا نصر المومنين}.[ الروم/47] وقال عن نوح عليه السلام: {ونَصرْناهُ مِن القَومِ الذين كَذّبوا بآياتِنا} [الانبياء/76] فعاقبة النصر على الأعداء وعد الله الصادق، أجزه مع أنبيائه وكذلك فعل مع المؤمنين من اتباعهم، وانتصار أهل فلسطين على جيش الصهاينة- الجيش الذي لا يقهر- في معركة طوفان الاقصى مفيد في المقام
27- أن العبرة ليست بشدة القوة ولا بكثرة العدد، قال الله تعالى : {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة/249] :” فالقاعدة : أن تكون الفئة المؤمنة قليلة، لأنها هي التّي ترتقي الدّرج الشّاق حتّى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار، لكنّها تكون الغالبة لأنّها تتّصل بمصدر القوى؛ ولأنها تمثل القوة الغالبة، قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده ، محطم الجبّارين ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين،” ([31]) فالفئة القليلة المؤمنة التّي صدَّقت الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في معجزة الإسراء والمعراج، هي التّي ستنتصر على الفئة الكثير من كفار قريش في أول لقاء جمع بينهما في معركة بدر، و كذلك الشأن بالنسبة للشعب الفلسطيني المؤمن بربّه المصدِّق بعدالة قضيّته، فبعد الاعتصام بالله و التّوكل عليه، حصل اليقين أنّه الفئة المختارة للمعركة الفاصلة بين الحق والباطل، فلم يكن يضرها من خذلها من إخوة الإسلام، و لا من تحالف ضدّها من قوى الاستكبار الصهيوني العالمي.
28- اليقين بالله، وحسن التّوكل عليه بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع، قال الله تعالى: {ومن يتوكّل على الله فهو حسبه} [الطلاق/ 3]، وتنزيل مفهوم الآية تجلى واضحا في معركة طوفان الأقصى المبارك.
والحمد لله رب العالمين
لائحة المصادر المراجع:
– أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد- وآخرون، مؤسسة الرسالة، “، 1.
– البخاري محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه، الشهير بصحيح البخاري، السلطانية مصر.
– ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، العبودية، تحقيق علي حسن الحميد، دار الأصالة.
– الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى، الجامع الكبير – سنن الترمذي- خرج أحاديثه بشار عواد، دار العرب الإسلامي بيروت ط،1، 1996م.
– الحاكم النيسابوري في المستدرك.
– ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي الفتح الباري شرح صحيح البخاري،، ط1 – 1989.
– الذهبي محمد بن أحمد بن عثمان، السيرة النبوية، تحقيق حسام الدين القدسي، بيروت.
– الرازي محمد بن عمر فخر الدين مفاتيح الغيب المشهور بالتفسير الكبير، دار الفكر.
– ابن سعد محمد، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، ط،1، 1410ه.
– سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط،1، 1972.
– القرطبي محمد بن أحمد أبو عبد الله الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، ط، 2، 1384ه-1964م،.
– ابن كثير اسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، دار الفكر بيروت، 1407ه.
– محمد سعيد رمضان البوطي فقه السيرة، ط، 3.
– مسلم بن الحجاج، الصحيح، ط، 1، دار الخلافة العلية.
– ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم أبو الفضل، لسان العرب، ط بيروت.
– النووي محيي الدين يحيى بن شرف أبو زكريا، شرح صحيح مسلم، ط، دار الفكر، بيروت.
– ابن هشام عبد الملك السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة.
– الهيثمي نور الدين علي بن أبي بكر مجمع الزوائد ومنع الفوائد، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة.
([1]) ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم أبو الفضل، لسان العرب مادة سرا، ط بيروت.
([2]) اللسان مادة عرج.
([3])محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة، ط، 3، ص 146.
([4]) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الصحابة، باب المعراج، حديث رقم:3708.
([5]) أخرجه البخاري كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، حديث رقم: 3060. ومسلم، كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، حديث رقم: 174255.
([6]) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ” لقد رآى من آيات ربه الكبرى” حديث رقم: 3232.
([7]) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث رقم: 164238.
([8]) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الصحابة، باب المعراج، حديث رقم:3708. و مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث رقم: 164238.
وهو عند ابن حجر في الفتح المجلد 1/605 – 606 – ط1 – 1989. والنووي في شرحه على مسلم المجلد 2/210 -2/ 215 ط دار الفكر بيروت، و اللفظ لمسلم.
([9]) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام، حديث رقم: 4710. و مسلم، عن أبي هريرة حديث رقم:170.
وهو عند ابن حجر في الفتح المجلد 1/605 – 606 – ط1 – 1989، والنووي في شرحه على مسلم المجلد 2/210 – 215 ط دار الفكر بيروت، اللفظ لمسلم.
([10]) الحافظ الذهبي، السيرة النبوية، تحقيق حسام الدين القدسي ط بيروت، ص، 160. فقه السيرة سعيد رمضان البوطي، ص147.
([11]) الرازي محمد بن عمر فخر الدين مفاتيح الغيب المشهور بالتفسير الكبير، ط، دار الفكر، 16/ 175-176.
([12]) مسلم، كتاب الجهاد والسّير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين حديث رقم:3456.
([13]) ابن سعد محمد، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، ط،1، 1410ه.و ابن كثير اسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، دار الفكر بيروت، 1407ه. و ابن هشام عبد الملك السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة .
([14]) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، حديث رقم: 4696. ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: 249.
([15]) التفسير الكبير 10/148- 10/149.
([16]) فقد أخرج أحمد من حديث ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ربي تبارك وتعالى» وعند الطبراني من حديث ابن عباس قال نظر محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه تبارك وتعالى… قال عكرمة –وهو من التابعين- فقلت لابن عباس: نظر محمد إلى ربه؟ قال ثم، جعل الكلام لموسى والحلة لإبراهيم والنظر لمحمد صلى الله عليه وسلم أخرجهما الحاكم في المستدرك.
([17]) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، حديث رقم: 482.
([18]) صحيح مسلم بشرح النووي 2/212.
([19]) صحيح مسلم بشرح النووي 2/212-2/213.
([20]) المصدر نفسه.
([21])الهيثمي نور الدين علي بن أبي بكر مجمع الزوائد ومنع الفوائد، كتاب الإيمان، باب منه حديث رقم: 235
([22]) فتح الباري 1/608.
([23]) الرازي10/147.
([24]) المصدر، نفسه، 10/147.
([25]) ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم ، العبودية، تحقيق علي حسن الحميد، دار الأصالة، ص، 9.
([26])القرطبي محمد بن أحمد أبو عبد الله الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، ط، 2، 1384ه-1964م، 8/361.
([27]) هذا ما ذهبت إليه روايات حديث المعراج.
([28])الجامع لأحكام القرآن، 2/77.
([29]) الهيثمي نور الدين علي بن أبي بكر مجمع الزوائد ومنع الفوائد، كتاب الإيمان، باب منه حديث رقم: 235
([30]) أخرجه الترمذي، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب ما جاء في أي الأعمال أفضل، حديث رقم: 1658.
([31]) سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق،ط،1، 1972، 2/263.




