مضيق هرمز في محنة – نورالدين قربال

يشكل مضيق هرمز الممر المائي المعروف موقعا استراتيجيا إقليميا ودولي، يساهم بانسيابية مرور التجارة الدولية، خاصة الإنتاج الطاقي الدولي. حيث يستقبل أكثر من 20 مليون برميل يوميا. ناهيك عن الغاز الطبيعي السائل، مما جعله دوما محط اهتمام وصراع بين اللاعبين الكبار بحثا عن المصالح الاستراتيجية التي تتيح التحكم في العالم، ومما يفتح شهية الهيمنة أن المضيق يعمل دائما بدون انقطاع. وكلمة هرمز فارسية تتخذ أبعاد حضارية ودينية لذلك فهو ممر له دلالات مادية ومعنوية. من تم كان دوما محط صراع الحضارات، من أجل إثبات الوجود.
رغم كل هذا فهو مرجع تجاري دولي كبير، وبمنطق التأمين التجاري وعدالة التوزيع والاستفادة المشتركة أصبح الممر قبلة اهتمام أغلب الدول الكبرى الباحثة عن الغنيمة، متجاوزين روح العقيدة والقبيلة التي تمارس السيادة بحكم التاريخ والجغرافية. أصبح البعد الأمني يهيمن على المعادلة واستثمر في أبعاده الأفقية والعمودية من أجل تثبيت الأقدام، وإلا سيعيش العالم حريقا يوميا. لقد اكدت تقارير الأمم المتحدة سنة 2025 أن 11 في المئة من التجارة العالمية تمر عبر هذا المضيق خاصة في منطقة حباها الله بثروات مهمة خاصة على مستوى النفط والغاز.
إن المضيق يقدم خدمات مهمة جدا عالميا لذلك أصبح من الأوليات الاستراتيجية التي تشكل الاختيارات الجيوسياسية في ظل أقطاب متناحرة مما يؤدي حتما إلى ارتفاع الأسعار في المواد المذكورة. رغم أن هناك قانونا صادرا عن الأمم المتحدة سنة 1982 المتعلق بالبحار، فإن هذا التكالب الدولي لا يبالي بالشرعية الدولية، من ثم أصبحت أسئلة كثيرة تطرح الجدوى من المنتديات الدولية إذا كانت عاجزة عن فك المنازعات وتسوية الوضعيات. لأن إشعال النيران في مضيق هرمز سيمس حتما الدول القريبة منه، وهذا خرق دولي لسيادات الدول ومصالحها الاستراتيجية.
مما يؤزم الأوضاع عندما تندلع الحروب، فتعوض التجارة بالنيران وسفن السلام بسفن الحرب، وغيرها من المآسي. يطرح السؤال آنذاك من يشرف على الممر؟ السكان الأصليون أم آخرون ينتعشون في الماء العكر؟ فهل سيتحول مضيق هرمز لا قدر الله إلى موطن صراع بدل تعاون وتفاهم؟ هل سنظل دوما نراقب سفنا بريئة بأخرى مفترسة؟ الوضع اليوم أن كل طرف يكشر أنيابه لضرب الآخر، ولكل نيته ومقصده.
إذن ما هو الحل؟ استمرار الصراعات الإقليمية حول الجزر، وهذا ما سيتيح للآخر “المنقذ من الضلال” للتدخل من أجل التحكم والسيطرة على تدبير المضيق، خاصة إذا استحضرنا إسرائيل في المعادلة، والتي تسعى إلى إقامة إسرائيل الكبرى مستعينة بالولايات المتحدة في كل صغيرة وكبيرة. لهذه الاعتبارات تطرح مجموعة من الدول الأوربية إيقاف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وفتح المسالك الدبلوماسية تجنبا لأزمة طاقية وغذائية بدت بعض إرهاصاتها تظهر على السطح. كما وقع بالبحر الأسود رغم التصاعد الحاصل بين روسيا وأوكرانيا. هذا ما يفسر رفض بعض الدول الأوربية إرسال طائرات وسفن لتأمين المضيق. إضافة إلى دول أسيوية.
للإشارة وتحسبا لكارثة كبيرة نظرا للوضع المضطرب لمضيق هرمز، انطلق الاهتمام بالبحث عن بدائل خاصة عبر السعودية والإمارات، خاصة بعد إشارة وكالة الطاقة الدولية إلى ارتفاع أسعار الخام إذا ما استمرت الحرب بالشرق الأوسط. مضيفة إلى سحب أكبر عدد ممكن من كميات النفط من هذين الخطين تجاوزا للازمة. فالسعودية قادرة على ضخ حوالي سبعة ملايين برميل يوميا عبر الخط المذكور. ونقلت الوكالة أن الإمارات قادرة على ضخ حوالي 1.8 مليون برميل يوميا. إذن تركز على ميناء الفجيرة والبحر الأحمر. لكن دفاع إيران عن نفسها شنت هجمات على قواعد أمريكية في عدة دول الخليج، مما أحدث خلخلة على مستوى التعاقدات القائمة، من جهة وتوعدت بالمزيد مما يؤثر على البدائل المطروحة ما دام العدوان قائما عليها. لقد اشترط الحرس الثوري تصريح للعبور، وإلا ستكون السفن مهددة إذا لم تدل به.
نستنتج مما سبق أن المضيق يعيش محنة كبيرة للأسف بسب حرب الولايات المتحدة وإسرائيل عل إيران. والحل صعب بين ثنائية الإغلاق الذي تنادي به إيران واستمرارية الفتح الذي يصر عليه الرئيس الأمريكي ترامب. والأمر متعلق بإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج وإيران ولكل واحد الزاوية التي ينظر بها. فهل ستساعد دولا أخرى من العالم الرئيس ترامب في إرسال السفن إلى المضيق من أجل حماية العبور واستمرار شرايين الممر؟ لا نتصور إيران ستترك المرور يتم بسلام ما دام الطرف الآخر لم يوقف الضربات عليه. أما دول الخليج فتدعو إلى تغليب البعد الدبلوماسي للحل، أما إسرائيل فتريد أن تقضي على التوسع الإيراني في المنطقة حسب زعمهم. مؤكدين على ان هذه الحرب ستحد من “الغطرسة” الإيرانية.
السؤال المطروح هل هي حرب المصالح، أم تصفية حسابات، أم اختبار للقوة الإيرانية أم باختصار خدمة المشروع الإسرائيلي الكبير؟ لقد نسج إيران علاقات مصالح مع الهند فكيف ستتصرف هذه الأخير مما يقع وهل سيؤثر هذا على تصدير إيران النفط إلى الدول الأسيوية؟ أما الدول العربية حسب التقديرات ستصاب بالعجز خاصة إذا استمرت هذه الحرب. التي توجد في ميدان بمنطق جيوسياسي وهذا هو الإشكال الكبير. رغم ما تدعيه الولايات المتحدة من انتصار فيبقى نسبيا إذا أخذنا بعين الاعتبار ما ستخسره خارج الحرب عل مستوى العلاقات الدولية.
أما دول الخليج فلها دعم دولي رغم هذا فالوضع أشد مرارة، خاصة عندما يتعلق بمصالحها الاستراتيجية. وترى إيران المعركة معركة وجود، لان الآخر يستهدفها بكل ما يملك من قوة. لكن التقديرات كانت خاطئة في التعامل مع الزمكان ودخلنا في اعتبارات سيكولوجية أثناء التراجع، وفي هذه الحالة تحضر الحماقات. هذه السلبية من جهة الآخر طاقة متجددة لإيران التي تشعر بالاستعلاء.
إن المعركة لم تعد محصورة جغرافيا وإنما اتخذت بعدا عالميا عندما يتعلق الأمر بمصالح أمنية، واقتصادية، ونفسية، واجتماعية. لذلك يطرح سؤال تحالفات دولية تتقاطب فيما بينها بناء على حرب باردة بثوب جديد. فهل يمكن اعتبار المعركة في مضيق هرمز معركة الذوات والأنا المتضخمة أم أن هناك عوامل أخرى متحكمة فيها؟ إذن مضيق هرمز في محنة بين خيار دول الخليج وموقف إسرائيل والولايات المتحدة وإيران والمواقف الدولية المتباينة فهل من موقف حكيم يفكر في المصالح الاستراتيجية للعالم بعيدا عن الظلامية والأنا المتضخمة وتمديد العدوان؟





