مقالات رأي

كما أن ما أسكر كثيره فقليله حرام فكذلك ما نفع كثيره فقليله مطلوب – كريم عيار

الهم الدعوي ومسؤولية الفرد في إصلاح المجتمع

من جوامع الكلم النبوي التي تكشف عن دقة التشريع الإسلامي في النظر إلى آثار الأفعال ومآلاتها، قوله صلى الله عليه وسلم: “مَا ‌أَسْكَرَ ‌كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ”[1].

فهذا الحديث لا يقف عند النظر إلى القدر القليل من المسكر، ولا يجعل الحكم الشرعي رهينا بالأثر الذي يحدثه ذلك القدر في الشخص الذي يتناوله فحسب، وإنما يربط حكم القليل بحقيقة الكثير وأثره؛ لأن ما كان الكثير منه مؤديا إلى الإسكار، فإن الشريعة لم تجعل القليل منه بمنأى عن التحريم، لما بين القليل والكثير من صلة، ولما قد يفضي إليه تناول القليل من التدرج في الاستهلاك، والاعتياد عليه، والانتقال إلى المقدار الذي تتحقق به المفسدة المقصودة بالتحريم.

وتتجلى دقة هذا التوجيه النبوي في أنه ينقل النظر من الأثر الجزئي المباشر للفعل، إلى حقيقته ومآله في سياقه الأوسع. فليس كل فعل ينظر إليه باعتبار المقدار الذي وقع منه في لحظة معينة، أو باعتبار النتيجة المحدودة التي ترتبت عليه في واقعة منفردة؛ إذ قد يكون لهذا الفعل ارتباط بمجموع أكبر، أو أثر يتجاوز صورته الجزئية، أو قابلية لأن يفضي إلى نتيجة أخرى تختلف في حكمها وخطورتها عن النتيجة المباشرة التي ظهرت عند وقوعه.

ومن هنا كان من تمام الفقه ألا يقتصر النظر على السؤال: ماذا أحدث هذا القدر القليل الآن؟ بل يتجاوزه إلى السؤال: ما حقيقة هذا الشيء؟ وما أثره إذا كثر؟ وما هو مآله في المستقبل؟ وهل يمكن أن يكون التساهل في القليل مدخلا إلى تفويت المصالح وتحصيل المفاسد؟

إذا تأملنا الحديث وجدناه يقرر في بابه، أن القلة لا تستلزم الخفة في الحكم، كما أن ضآلة المقدار لا تكفي وحدها للحكم بالإباحة. فقد يكون الشيء قليلا من حيث الكمية، لكنه متصل بوصف مؤثر في الحكم الشرعي، أو داخل في جنس حرم الشارع تناوله على النحو الذي دل عليه النص.

فالعبرة ليست دائما بحجم الفعل أو مقدار ما يتحقق منه في الواقعة الجزئية، وإنما بحقيقته الشرعية، وبالوصف الذي علق الشارع الحكم عليه، وبما يكشف عنه ذلك الوصف من مآل صالح أو مآل فاسد.

ولا يعني هذا أن الشريعة تلغي اعتبار المقادير، ولا يعني أيضا أن كل ما كان كثيره ممنوعا كان قليله ممنوعا بالضرورة؛ فالأحكام لا تبنى على مجرد المشابهة العامة، وإنما تثبت بالأدلة والقواعد والمناطات المعتبرة، فقد نجد أحكاما تخرج عن دائرة هذه الاعتبارات، لكنها تدخل في اعتبارات أخرى، لهذا قيل “من القواعد عدم اطراد القواعد”.

قال الشاطبي: الكلية في الاستقرائيات صحيحة، وإن ‌تخلف ‌عن ‌مقتضاها بعض الجزئيات. وأيضا، فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي، فلا يكون داخلة تحته أصلا، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا، لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى”[2].

والحديث يكشف أيضا أن التشريع لا ينتظر دائما تحقق المفسدة في أقصى صورها حتى يمنع أسبابها؛ فقد يكون من مقتضى الحكمة الشرعية منع بعض المقدمات أو الوسائل إذا ثبتت صلتها بالمفسدة على الوجه الذي اعتبره الشارع، وهذا هو المعنى الذي يلتقي فيه الحديث مع أصل سد الذرائع، من حيث إن الشريعة قد تمنع طريقا أو فعلا لا باعتبار أثره المباشر وحده، وإنما بالنظر إلى علاقته بمآل ممنوع.

غير إن هذا الأصل لا يصح أن يطبق بلا ضوابط؛ إذ ليس كل احتمال للمفسدة يوجب التحريم، ولا كل وسيلة يمكن أن تستعمل في الحرام تكون محرمة في ذاتها، وإنما ينظر في قوة العلاقة بين الوسيلة والمآل، وفي الأدلة الشرعية، وفي طبيعة الفعل وسياقه.

وإذا كان الحديث قد أبرز أثر الكثرة في بيان حكم القليل في باب مخصوص، فإن التأمل المقاصدي يتيح الانتقال إلى سؤال موازٍ في باب القلة والكثرة هذا: هل يمكن أن يكون للقليل من العمل حكم الوجوب، إذا كان مجموع ذلك العمل عند اجتماع جهود الأفراد، يؤدي إلى مصلحة عامة وعظيمة؟

وهنا نقصد بالعمل، ما يتعلق بالدعوة إلى الله، والدفاع عن الحرمات المهددة، والذب عن مقومات الأمة وهويتها، بل والانبراء إلى تعزيز معاني التدين الوسطي، فهما أولا ثم سلوكا ثانيا، في ظل الاستهدافات المتوالية للنسخ والمسخ والفسخ.

وهنا يبرز الاتساق المقاصدي في عبارة “كما أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، فكذلك ما نفع كثيره فقليله مطلوب”، بين القليل الذي قد يمنع بالنظر إلى مآل المفسدة، والقليل الذي قد يجب بالنظر إلى توقف المصلحة عليه. ففي الصورة الأولى، لا يكون القليل مباحا لمجرد أن أثره المباشر محدود، إذا كان النص قد ربط حكمه بما في الكثير من وصف مؤثر.

وفي الصورة الثانية، لا يكون القليل مستغنى عنه لمجرد ضآلة أثره الفردي، إذا كان تحقيق الواجب العام متوقفا على تكامل أعمال الأفراد، وكان ذلك القدر من العمل متعينا في حق صاحبه بحسب استطاعته ومسؤوليته.

وهذا المعنى الأخير يتأسس على أدلة وقواعد أخرى، في مقدمتها الأمر بالتعاون على البر والتقوى في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2] ، والأمر بالدعوة إلى الخير في قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ]آل عمران: 104 [ وقاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[3]، وما تقرر في باب فروض الكفايات من أن الواجب الجماعي لا يسقط عن الأمة إذا لم يتحقق المقصود به.

فإذا كانت الدعوة إلى الخير من الأعمال التي يحتاج إليها المجتمع في حفظ دينه وقيمه وصلاح أفراده، وكان تحقيق بعض مصالحها متوقفا على مشاركة عدد من الناس، فإن المسؤولية لا تنحصر في فئة الدعاة والمتخصصين، بل تتوزع على أفراد المجتمع بحسب العلم والقدرة والحاجة.

وبذلك يمكن أن نفهم عبارة: “كما أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، فكذلك ما نفع كثيره فقليله مطلوب”، على أنها صياغة مقاصدية تقريبية للمعنى المراد. ومقصودها أن القليل قد يكتسب حكمه من علاقته بما وراءه، فقد يمنع إذا تعلق به حكم شرعي أو كان طريقا إلى مفسدة معتبرة على الوجه الذي دل عليه الشرع، وقد يجب إذا كان جزءا لا يتحقق الواجب إلا به، أو تعين في حق المكلف ضمن مسؤولية شرعية معتبرة.

وعلى هذا الأساس، فإن الدعوة إلى الخير لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نشاط اختياري تنهض به فئة محدودة من المجتمع، وإن كان التخصص فيها، في بعض صوره، من فروض الكفايات؛ بل هي مسؤولية تتفاوت مراتبها وتتعدد وسائلها بحسب أحوال الناس وقدراتهم ومواقعهم.

فليس كل فرد مطالبا بأن يكون خطيبا مفوها، أو مفتيا متقنا، أو مربيا متخصصا، ولكن كل فرد يستطيع أن يسهم في نشر الخير من موقعه، وبما يملكه من علم وقدرة وإمكان. فإن لم يستطع أن يكون في الصف الأول، فليجد له موطئ قدم في الصف الثاني، فإن تعذر ذلك، ففي الصف الثالث..، وليحرص أن يكون له نصيب من هذا العمل المبارك، مهما بدا يسيرا؛ إذ ليست العبرة دائما بحجم الجهد الذي يبذله الفرد منفردا، وإنما بما يمكن أن تصنعه الجهود حين تتكامل وتتضافر.

ونحن اليوم، في ظل ما يتعرض له مجتمعنا من تحديات فكرية وقيمية وتربوية، أحوج ما نكون إلى كل نفس إيجابي، وكل مبادرة نافعة، وكل جهد مخلص، مهما بدا ضئيلا وظهر قليلا؛ فالبناء لا ينهض بجهود أفراد معدودين وحدهم، كما أن مواجهة مظاهر الانحراف والفساد لا تستقيم بانتظار المصلح القادر على كل شيء، وإنما تحتاج إلى انخراط الجميع، كلٌّ من موقعه، وبحسب وسعه واختصاصه، فقد تكون الكلمة الطيبة التي ينطق بها أحدهم، أو القدوة الحسنة التي يقدمها آخر، أو النصيحة الحكيمة التي يبذلها ثالث، أو المساهمة التي يقدمها غيرهم في دعم مشروع تربوي أو مبادرة دعوية، حلقات صغيرة في ظاهرها، لكنها تتكامل لتصنع أثرا كبيرا في حياة الأفراد وصلاح المجتمع.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس أن يقوم الجميع بالدعوة بالطريقة نفسها، بل أن يجد كل واحد مجالا مناسبا يسهم من خلاله في الخير، دون أن يتجاوز حدود علمه، أو يحمل نفسه ما لا تطيق، أو يزاحم أهل الاختصاص فيما يحتاج إلى تخصصهم؛ فالمقصود أن تتكامل الجهود وتتوزع الأدوار، حتى لا يبقى الخير رهينا بقلة، ولا تضيع الطاقات الممكنة بسبب الاستهانة بالمساهمات الصغيرة.

وإلا، فإن الآفة كل الآفة أن تستحكم فينا عقلية سلبية، انتظارية ومتفرجة، تكتفي بتشخيص الاختلالات، وتكرار الشكوى من الواقع، ولعن الظلام بالليل والنهار، دون أن نفكر في إيقاد شمعة، أو نبادر إلى خطوة صغيرة تسهم في تغييره. فليس من الإصلاح أن نظل أسرى التدمر، ولا من الوعي أن نكتفي برصد مواطن الخلل، وإنما يبدأ الإصلاح حين يتحول الوعي بالمشكلة إلى إرادة للعمل، وحين تتحول الشكوى إلى مبادرة، والانتظار إلى مشاركة، والنقد إلى بِناء، واقتراح بَناء.

ولعله كما يهتم المرء بإيقاد شمعة في محيطه الصغير، فينبغي أن يهتم بإيقادها في دوائر أوسع من محيطه، فهي بدون شك ستكون أبلغ أثرا من ظلام طويل لا نملك إزاءه إلا التدمر. فالمطلوب ليس أن ينتظر كل واحد منا من يضيء الطريق، بل أن يسهم بما يستطيع في إنارته، وأن يدرك أن تراكم المبادرات الصادقة، مهما صغرت، قد تصنع الفرق الذي طال انتظاره.

وإلا، لو كان للحق صولة وجولة على الباطل، لكنا في غنى عن هذا الكلام كله، ولو كانت أحقية الحق كافية لفرض حضوره في الواقع؛ لكن واقع الحال أن الباطل قد يمتلك من أسباب القوة والانتشار والتأثير ما لا يمتلكه الحق، وأن صحة المبدأ وحدها لا تكفي لتحقيق الغلبة ما لم تسندها جهود واعية، وطاقات متضافرة، وعمل متواصل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الدعوة والمبادرة والإسهام، كلٌّ من موقعه وبقدر وسعه؛ إذ لا يكفي أن نؤمن بالحق، بل لا بد أن نعمل لنصرته، ولا يكفي أن نشكو قوة الباطل، بل ينبغي أن نبني من أسباب القوة ما يعين على مواجهته، حتى لا يبقى الحق صحيحا في مبادئه، ضعيفا في حضوره وأثره. وقد صدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين قال: “إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لَا تَكَادُ ‌تَجِدُ ‌فِيهَا ‌رَاحِلَةً”[4].

***

[1] أخرجه الترمذي في سننه، ‌‌باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام، رقم1865

[2] الموافقات، 2/82

[3] قواعد أبي عبد الله محمد المقري 2/393، والأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي 2/88، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للإسنوي الشافعيّ، ص83، والمنثور في القواعد الفقهية للزركشي، 1/219.

[4] أخرجه البخاري في صحيحه، ‌‌باب رفع الأمانة، رقم6498، ومسلم في صحيحه، باب قوله صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مائة لا ‌تجد ‌فيها ‌راحلة، رقم60

أخبار / مقالات ذات صلة