أخبار عامةالرئيسية-فلسطين

غزة تحتفي بحفاظ القرآن الكريم وسط الخيام والركام

شهد مسجد القبة في خان يونس احتفالا قرآنيا كبيرا نظمه اتحاد حياة غزة، وجمعية إقرأ لتكريم 215 حافظا وحافظة لكتاب الله.

وأوضحت دائرة العلاقات العامة والإعلام في اتحاد حياة غزة أن هذا الحفل يأتي في مشهد إنساني جمع بين فرحة الإنجاز ومرارة النزوح، وأكد أن غزة، رغم الحرب والدمار، ما زالت متمسكة بالعلم والقرآن، وقادرة على صناعة الأمل من قلب المعاناة.

وسجل الحفل حضورا جماهيريا واسعا، ودخل الحفّاظ والحافظات في مواكب احتفالية تزيّنت بالأكاليل والزهور واللافتات والأعلام الفلسطينية، فيما تطايرت الورود فوق رؤوسهم، وسط تصفيق الحاضرين وتهاني الأهالي. وكان المشهد لوحة نابضة بالحياة، امتزجت فيها فرحة الأطفال بعظمة المناسبة، وتحولت فيها الخيام ومواقع النزوح إلى فضاء للاحتفاء بالإنجاز والتكافل المجتمعي.

وشارك في الحفل مدير عام التعليم الشرعي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ومفتي محافظة خان يونس، ورئيس بلدية خان يونس، ومختار محافظة خانيونس، ورئيس تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وإدارة اللجنة المصرية إلى جانب عدد من المؤسسات الفاعلة والعلماء والأعيان وأهالي الحفظة، الذين حضروا لمشاركة الطلبة فرحتهم، وتقدير جهود القائمين على حلقات تحفيظ القرآن الكريم.

وفي كلمة اتحاد حياة غزة (راعي الحفل) التي ألقاها د. صالح الكاشف، نائب رئيس اتحاد حياة غزة، رئيس الهيئة الخيرية، أن الاتحاد استطاع أن يحوّل الألم والصمود إلى أمل وإنجاز، مشيرًا إلى أن هذا النجاح لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بالحكايات الإنسانية التي تقف خلف كل حافظ وحافظة.

وقال د. الكاشف أن الإنجاز الذي تحقق يحمل في طياته قصصًا من الألم الذي يولّد الأمل، ويرسم معاني الصمود والإصرار، مثمنًا جهود الطلبة والمشرفين والمشرفات، ودور الاتحاد في رعاية هذا المشروع القرآني، الذي يواصل مسيرته رغم الظروف الصعبة التي يعيشها النازحون.

وأضاف أن تنظيم هذا الحفل في ظل المعاناة التي يمر بها قطاع غزة يمثل رسالة أمل، ويؤكد أن المجتمع الفلسطيني ما زال قادرًا على رعاية أبنائه، والاحتفاء بإنجازاتهم، والتمسك بمصادر قوته الروحية والتربوية.

من جانبه، قال مدير عام التعليم الشرعي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية د. محمد كمال سالم أن الصورة المشرقة لغزة تتمثل في أهل القرآن، مشيدًا بجهود العاملين في هذا المجال، وما يقدمونه من رعاية وتعليم ومتابعة للحفظة والحافظات.

وأكد د. سالم أن الحفل يبعث برسالة إلى العالم مفادها أن غزة تريد الحياة، وتحب الحياة، وتسعى إلى رسم طريقها وسط المعاناة، من خلال التعليم والقرآن والعمل المجتمعي، معتبرًا أن هذا النموذج يمكن أن يكون مثالًا يحتذى به في مختلف مناحي الحياة.

وتخلل الحفل عدد من فقرات الإنشاد والمديح النبوي، التي أضفت أجواء روحانية على المناسبة، قبل أن يلقي مفتي خان يونس أ. إحسان عاشور كلمته متحدثًا عن مكانة أهل القرآن وفضل حفظ كتاب الله، وحاثًّا الحفظة على الإخلاص والثبات والتمسك بالقرآن الكريم.

ودعا الشيخ عاشور الحفظة إلى الوفاء بعهدهم مع كتاب الله، مؤكدًا أن القرآن الكريم يمثل مصدر هداية وثبات، وأن التمسك به يعين الإنسان على مواجهة المحن. كما ذكّرهم بأهمية الإخلاص لله تعالى، والتحلي بالأمل الذي تحمله آيات القرآن الكريم، مشيرًا إلى فضله وشفاعته لأهله يوم القيامة.

وفي كلمة جمعية اقرأ، تحدث مدير الإدارة العامة للقرآن الكريم بالجمعية، د. أحمد البيوك، مؤكدًا أن الحفل يمثل تخرج كوكبة جديدة من حفظة كتاب الله، وصفها بأنها جيل الوحي القرآني، الذي نشأ في مخيمات النزوح والإيواء، وسط ظروف قاسية، لكنه استطاع أن يحوّل الخيام إلى ساحات للتعلم والإنجاز.

وقال البيوك إن هذا التخرج يجسد عهد أهل غزة بالقرآن، ويعكس عزهم وشرفهم، مشيدًا بثبات الأطفال والمشرفين والمشرفات، وداعيًا إلى مواصلة رعاية الأشبال والزهرات، ودعم حلقات التحفيظ التي أسهمت في تحقيق هذه النتائج.

وأشار إلى أن محاولات تدمير الحياة في غزة لم تمنع أبناء الشعب الفلسطيني من التمسك بالأمل، مؤكدًا أن حب الحياة والارتباط بالقرآن يمثلان جانبًا مهمًا من صمود المجتمع، كما استحضر نموذجين إنسانيين هما الطفلة الشهيدة صبا الحشاش، ووفاء العطار، ابنة الشهيد هاني العطار.

غير أن أكثر لحظات الحفل تأثيرًا جاءت مع روايتين إنسانيتين هزّتا مشاعر الحاضرين، وأغرقتا العيون بالدموع.

فقد روت المحفّظة مرفت دهليز قصة طفلتين من حافظات القرآن في إحدى الحلقات؛ صبا الحشاش وصبا مذكور، اللتين جمعتهما الصداقة وحب كتاب الله. وأوضحت أن استهدافًا إسرائيليًا طال خيمة في مخيم جيل الوحي القرآني لتحفيظ القرآن، ما أدى إلى استشهاد صبا الحشاش وإصابة صديقتها صبا مذكور بإصابة بالغة.

ورغم الألم، حضرت صبا مذكور الاحتفال حاملة صورة صديقتها الشهيدة، في مشهد تختصر فيه الطفولة معنى الوفاء، والإصرار على مواصلة حفظ القرآن الكريم وتلاوته، رغم فقدان الصديقة وآثار الإصابة.

أما القصة الثانية، فكانت للطفلة وفاء العطار، التي تحدثت عن فقدان والديها وإخوتها، قائلةً إن القرآن الكريم كان ملاذها حين تشتاق إلى أبيها، وحين تتذكر كلمات أمها وسندها. وأشارت إلى أن والديها كانا من حفظة كتاب الله، وأنها بقيت الناجية الوحيدة من أسرتها.

وفي ختام الحفل، جرى توزيع الجوائز على الحفظة والحافظات، البالغ عددهم 215، إلى جانب تكريم أكثر من 350 حافظًا وحافظة ممن أتموا حفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم فأكثر، وفق ما ورد في كلمات المشاركين.

تجدر الإشارة لأن هذا الحفل كان ثمرة مخيمات جيل الوحي القرآني والتي عقدتها الهيئة الخيرية للإغاثة والتنمية كارد بالشراكة مع جمعية اقرأ الخيرية، حيث التحق بها أكثر من 1200 طالب وطالبة لمدة خمسين يوماً.

كما أعلنت جمعية حراء تكفّلها بكفالة سنوية للطفلة صبا مذكور، وكفالة سنوية للطفلة وفاء أحمد العطار، في مبادرة تعكس معاني التكافل والرعاية الاجتماعية، وتمنح الطفلتين دعمًا مستمرًا في مواجهة الظروف الصعبة.

وأكد القائمون على الحفل أن هذه الفعالية ليست النشاط الوحيد الذي ينظمه اتحاد حياة غزة، بل تأتي ضمن سلسلة من البرامج والاحتفالات القرآنية التي تهدف إلى دعم الحفظة والحافظات، ورعاية الأطفال في مخيمات النزوح، وتعزيز حضور التعليم والقرآن في حياة المجتمع الفلسطيني.

واختُتم الحفل برسالة إنسانية واضحة: في غزة، حيث تتجاور الخيام مع الركام، لا يزال الأطفال يحفظون القرآن، ويرفعون الأعلام، ويصنعون من الألم حكايات أمل، ومن الفقدان إرادة للاستمرار.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى