مقالات رأي

عن أي تقوى يتحدث شهر رمضان؟ – سعيدة حرمل

مقاربة مفهوم التقوى في شهر التقوى الذي هي ثمرة شهر الصيام كمصطلح قرآني فريد كثير التكرار ضعيف فهمه واستيعابه، فمفهوم الأمس ليس كمفهومه اليوم، والفهمُ الصادق هو ذاك الذي يهدي وينجّي ولا يُهلك، فليس كلُّ مَن فهمَ يكون قد أُصيبَ بالحق، ولا كلُّ من تكلّم في القرآن يكون قد وعى مراد الله منه.

فقد يفهم الإنسانُ النصَّ، ولكنه لا يفهم المطلوب، وقد يدرك المعنى، ولكن يضلّ في المقصد. كم من أناسٍ فهموا عن الله، وتكلّموا في كتابه، لكنهم لم يقفوا عند حدوده، فانحرف الفهمُ بهم فصار وبالا عليهم بدل أن يكون نورا لهم.

ولهذا كان أعلمُ الخلق إبليس وهو أكبر الضلال المضلين ومع ذلك عصى، لا لأنه جهل الأمر، ولكن لأنه لم يُسَلِّم ويخضع، فضلّ الطريق رغم علمه. فالعلم وحده لا يكفي، والفهم وحده لا يعصم، إنما الذي يهدي هو الفهم الذي يقود إلى الطاعة والى التواجد في الساحات والعلم الذي يورث الخشية، والهداية التي تثمر انقيادا لا جدالا وتحرّرا ولنا نماذج من واقعنا نراهم وسطنا كيف كانوا وكيف صاروا…

أن يكون فهمك لما يريد الله منك، لا لما تميل إليه نفسك، ولا لما تفرضه أهواؤك. فميزان الحق ليس ما نريده نحن، بل ما أراده الله لنا. ولهذا حين يتحدث الله عن الهدى، يقرنه بالبيّنات، فالقرآن بيّناتٌ في الصدق، وبيّناتٌ في الخير، وبيّناتٌ في الطريق الذي يوصلك إلى رضاه. لا يترك أمرا إلا وضحه، ولا سبيلا إلا حدده، حتى لا تبقى حجة بعد البيان.

وما كان الله ليزيغ قلبا بعد أن هداه إلا إذا أعرض صاحبُه، ولا يضلُّ قوما بعد الهداية حتى يُبيّن لهم، فإذا قامت الحجة، كان الانحراف اختيارا لا جهلا. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى