مقالات رأي

عن أولوية الصحة والتعليم.. أحكي ولا أفتي – عبد الحق لمهى

يعلم الباحثون في أصول الفقه أن علماء الإسلام توصّلوا، من خلال الاستقراء التام لنصوص الشريعة، إلى أن مقاصدها الضرورية ترجع إلى خمس كليات كبرى، هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل (أو العرض)، والمال. وقد اعتنى ببيان هذه المقاصد عدد من الأئمة، وفي مقدمتهم أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات، حيث قرر أن” مقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.”[1]

وقد دلّت نصوص الشرع، قرآنًا وسنّة، على هذه الضروريات، إما تصريحًا أو تضمينًا، كما في الآيات الجامعة والأحاديث التي تضمنت النهي عن الشرك، والقتل، والزنا، والسرقة، وغيرها من صور الاعتداء على هذه الكليات، فمن الآيات الجامعة للكليات الخمس:”  ما نبه عليه الشيخ ابن عاشور من أن آية سورة الممتحنة متضمنة لهذه الضروريات: “يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يُشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولايأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن غفور رحيم” فهذه آية واحدة جمعت الضروريات الخمس أو أربعة صريحة منها هي: 1. حفظ الدين في “ألا يشركن بالله شيئا“، 2. وحفظ المال في “ولا يسرقن“، 3. وحفظ العرض والنسب والنسل في: “ولا يزنين“، 4. وحفظ النفس في “ولا يقتلن أولادهن“.

وهناك من الأحاديث ما يجمع هذه الضروريات في موضع واحد منها الحديث الّذي رواه عبادة بن الصامت وهو من أهل بدر ومن أصحاب ليلة العقبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: “تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف… إلى آخر الحديث”.  [2]كما اجتهد العلماء في استقراء تلك النصوص لإبراز هذا البناء المقاصدي المتكامل.

غير أن العلماء اختلفوا في ترتيب هذه الضروريات، ولم يتفقوا على نسق واحد ملزم، وإن كان أبو حامد الغزالي من أوائل من قرر ترتيبًا مشهورًا يجعل الدين أولًا، ثم النفس، ثم العقل، فالنسل، فالمال، وهو الترتيب الذي سار عليه كثير من الأصوليين بعده، مع بقاء باب الاجتهاد مفتوحًا في تعليل هذا الترتيب وتقديم بعض الكليات على بعض بحسب السياقات. جاء في مقال:” “اختلف العلماء في ترتيب كليات الضروري، ولم يتفقوا على ترتيب معين، كما أنهم لم يعللوا سبب هذا الترتيب؛ فذهب الغزالي وهو أول من وضع هذا الترتيب المشهور في “المستصفى” إلى ذكر كلية الدين أولا، ثم النفس ثم العقل فالنسل، ثم المال، إلا أنه لم يعلل سبب هذا الترتيب، وسلك مسلكه في ذلك من جاء بعده من الأصوليين.”[3]

وقد وضع العلماء قواعد لحفظ هذه الضروريات من جهتي الوجود والعدم؛ ففي حفظ الدين دعوة إلى التوحيد وعبادة الله، وتحريم الشرك، وفي حفظ النفس تشريع ما يصون الحياة من إباحة الضروريات وتحريم الاعتداء، وفي حفظ العقل الحث على العلم وتحريم ما يفسده، وفي حفظ النسل والمال تشريعات تصون الأعراض والحقوق.

غير أن المقصود من استحضار هذه المعاني ليس مجرد العرض النظري، وإنما الاسترشاد بها في ترتيب أولويات الحياة الفردية والجماعية. فإذا كان الإنسان المسلم مطالبًا بالاهتداء بمقاصد الشريعة، فإن من المشروع أن تُبنى السياسات والاختيارات المجتمعية على هدي هذه الضروريات، وفق ما تقتضيه المصلحة.

ومن هذا المنطلق، فإن أولوية حفظ الدين تقتضي دعم كل ما يخدمه من مؤسسات دينية وعلمية وبحثية، تقوم بوظائف التأطير والتوجيه، والدفاع عن ثوابت الأمة، ونشر القيم، ودفع الشبهات. كما أن لمؤسسات المجتمع المدني دورًا مكمّلًا في هذا الباب من خلال البرامج والمبادرات الهادفة.

ثم تأتي أولوية حفظ النفس، والتي تبرز بوضوح في العناية بالصحة، عبر السياسات العمومية، وتطوير المنظومات الصحية، وإدماج الثقافة الصحية، الجسدية والنفسية، ضمن البرامج التربوية. فالصحة ليست مجرد خدمة، بل هي ركيزة من ركائز حفظ الحياة.

أما حفظ العقل، وهو ثالث الضروريات في هذا الترتيب، فيتجلى أساسًا في النهوض بالتعليم، باعتباره الوسيلة الأبرز لبناء الإنسان. ويشمل ذلك الجهود الرسمية في تطوير المنظومة التعليمية، وتوسيع قاعدة التمدرس، وتحسين جودة التكوين، إلى جانب مبادرات المجتمع المدني في محاربة الأمية ونشر المعرفة. كما تندرج ضمن هذا المقصد الجهود الرامية إلى حماية العقل من كل ما يفسده، كآفات الإدمان والمخدرات، عبر سياسات وقائية وزجرية.

وفي هذا السياق، لا ينبغي التقليل من دور الكتاتيب القرآنية أو المؤسسات التعليمية التقليدية، بل هي جزء من منظومة متكاملة تسهم في ترسيخ المعرفة والقيم، وتخدم مقصد حفظ العقل في بعده القيمي والتكويني.

وخلاصة القول، إن الوعي بمقاصد الشريعة، وخاصة الضروريات الخمس، يوفّر إطارًا مرجعيًا مهمًا لترتيب الأولويات في بناء المجتمع وتحقيق التنمية. فبقدر ما نحسن فهم هذه المقاصد واستحضارها في التخطيط والعمل، بقدر ما ننجح في توجيه جهودنا نحو تنمية متوازنة ومستدامة، قائمة على حفظ الدين، وصيانة النفس، وتنمية العقل، وحماية المجتمع في كلياته الكبرى.

*****

[1] ـ  https://www.arrabita.ma/

[2] ـ https://maqasid.so/

[3] ـ https://www.arrabita.ma/

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى