عبد الهادي باباخويا يكتب: حركة التوحيد والإصلاح في زمن التحولات بين زمن الصحوة وسؤال الفعل الحضاري (4)
الحلقة الرابعة: أزمة القيادة وإنتاج النخب

بعد أن ناقشنا في الحلقات السابقة سؤال النموذج التاريخي للحركة، وسؤال التربية وبناء الإنسان، ثم سؤال العلاقة بين الدعوة والسياسة وتجربة التمايز والمشاركة، نصل إلى سؤال أكثر عمقًا:
من هم الأشخاص الذين يستطيع المشروع الإصلاحي أن ينتجهم..؟
وليس المقصود هنا: من سيصبح رئيسًا..؟ ومن سيتحمل المسؤولية التنظيمية..؟ ومن سيقود هذه الهيئة أو تلك..؟ فهذه أسئلة مهمة، لكنها تظل في مستوى تدبير القيادة.
أما السؤال الذي يهمنا فهو: هل ما زالت الحركة قادرة على صناعة العلماء والمفكرين والمربين والرموز الثقافية والقيادات المجتمعية التي يتجاوز أثرها حدود التنظيم..؟
فالفرق كبير بين أن تنتج الحركة مسؤولين، وأن تنتج قيادات؛ وبين أن تنتج قيادات، وأن تنتج رموزًا.
أولًا- من صناعة المسؤول إلى صناعة الإنسان المؤثر:
كل تنظيم يحتاج إلى مسؤولين، لكن كل مشروع حضاري يحتاج إلى أكثر من ذلك. فالمسؤول يدبر مهمة، والقائد يقود أشخاصًا ومشاريع، أما الرمز فيصنع معنى، ويؤثر في الوعي، ويترك أثرًا يتجاوز موقعه التنظيمي. ولهذا فإن نجاح أي حركة إصلاحية لا يقاس فقط بعدد هيئاتها، ولا بعدد أعضائها، ولا بعدد المسؤولين الذين تداولوا مواقعها، وإنما كذلك بقدرتها على أن تجعل من أبنائها، علماء ومفكرين ومربين وخبراء ومثقفين وفاعلين اجتماعيين، بحيث يصبح المجتمع نفسه قادرًا على اكتشاف قيمتهم.
وهنا تبرز أهمية السؤال الذي سبق أن طرحه محمد يتيم حول قدرة الحركة على إنتاج “رموز فكرية وتربوية”، وربطه بمفهوم محمد الطوزي عن «العلماء الجدد» وبـ”القدرة على الترميز”.
والمهم في استحضار هذا المفهوم ألا نفهم «العالم الجديد»، باعتباره مجرد عالم تقليدي بوسائل حديثة، وإنما باعتباره شخصية قادرة على الجمع بين المعرفة الشرعية وفهم الواقع، وبين الوعي بالعلوم الإنسانية والقدرة على مخاطبة المجال العمومي ووسائطه الجديدة. فالعصر تغير، والرمز الذي كان يصنع تأثيره من خلال المنبر والكتاب والمجلس التربوي، أصبح اليوم مطالبًا بأن يفهم الجامعة والإعلام والمنصات الرقمية والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وهنا يتحول سؤال النخبة من: من يحمل المسؤولية..؟
إلى: من يستطيع أن يحمل الفكرة إلى المجتمع..؟
ثانيًا- أزمة القيادة ليست بالضرورة أزمة أشخاص:
حين نتحدث عن “أزمة القيادة”، ينبغي أن نحذر من تحويل السؤال إلى محاكمة للأشخاص، فقد تكون المشكلة أحيانًا في الأشخاص، لكن الأعمق أن تكون في منظومة إنتاج القيادة نفسها. قد تكون المؤسسة قادرة على اختيار مسؤول جيد، لكنها غير قادرة على اكتشاف موهبة فكرية. وقد تكون قادرة على توزيع المسؤوليات، لكنها غير قادرة على بناء عالم. وقد تكون بارعة في تكوين المناضل التنظيمي، لكنها أقل قدرة على تكوين المثقف المستقل. وقد تنتج مديرًا ناجحًا للمؤسسة، لكنها لا تنتج بالضرورة شخصية قادرة على التأثير في المجتمع كله.
وهذا فرق جوهري، فالتنظيم بطبيعته يميل إلى إنتاج ما يحتاج إليه في وظائفه اليومية، ولذلك قد يصبح معيار النجاح هو: الالتزام، والانضباط، والقدرة على التدبير، والوفاء للمهام. وكلها قيم مهمة، لكن إنتاج الرموز يحتاج إلى مساحة أخرى: حرية التفكير، واحترام التخصص، ودعم البحث، والإحتفاء بالتجربة، وتنظيم الاختلاف، وإسناد الاستقلال العلمي، وتشجيع الاحتكاك بالمجتمع، ودعم القدرة على بناء مشروع شخصي داخل المشروع العام..
ومن هنا يمكن أن يكون التحدي الحقيقي ليس في تجديد القيادة فقط، بل في تجديد منظومة إنتاج النخب.
ثالثًا- من تداول المسؤولية إلى صناعة الخلف:
من علامات صحة أي مؤسسة، قدرتها على أن يستمر مشروعها رغم تغير الأشخاص، وهنا تبدو مسألة الخَلَف أكثر أهمية من مسألة “الخليفة”. فالفكرة ليست أن يبقى القائد في موقعه، ولا أن يستمر الشخص نفسه في الواجهة، وإنما أن يكون قادرًا على إعداد جيل، يستطيع أن يحمل المشروع بعده ويطوره.
وتؤكد أدبيات الحركة نفسها، أهمية تداول المسؤولية واستمرار المشروع فوق الأشخاص، كما أن تاريخها يبين تعاقب قيادات على رئاستها منذ تأسيسها سنة 1996. لكن ينبغي أن نميز بين تداول المناصب وتجديد النخب، فقد يتغير الرئيس بينما تبقى البنية البشرية نفسها، وقد تتغير الوجوه بينما لا تتغير طريقة التفكير. وقد يتداول الشباب بعض المسؤوليات، دون أن يصبحوا بعدُ أصحاب مشاريع فكرية ومجتمعية مستقلة.
ولهذا فإن التجديد الحقيقي لا يقاس فقط بالسؤال: كم شابًا دخل القيادة..؟
بل: كم عالمًا جديدًا ظهر..؟ كم مفكرًا جديدًا أنتج..؟ كم مربيًا أصبح له أثر واسع..؟ كم خبيرًا خرج من رحم المشروع إلى المجتمع..؟ كم شخصية استطاعت أن تصبح مرجعًا في مجالها، دون أن تكون رهينة للموقع التنظيمي..؟
وهنا تكتسب العناية بالشباب معناها الحقيقي، فالحركة أعلنت منذ سنوات أن العمل الشبابي مجال استراتيجي، وأن من مقاصده تأهيل نخب وكفاءات شابة للمشروع الإصلاحي، لكن الرهان الأكبر هو أن يتحول تأهيل الشباب إلى إنتاج أجيال جديدة من النخب.
رابعًا- من النخبة التنظيمية إلى النخبة الحضارية:
ربما يحتاج مفهوم النخبة نفسه إلى إعادة تعريف، فالنخبة الإصلاحية في المرحلة المقبلة، لا ينبغي أن تكون فقط من يتقدم في السلم التنظيمي، وإنما من يضيف شيئًا نوعيًا إلى المجتمع. حيث نحتاج إلى: العالم الذي يعيد بناء الصلة بين الوحي وأسئلة العصر، والمفكر الذي ينتج المفاهيم بدل أن يكررها، والمربي الذي يصنع الإنسان لا العضو فقط، والباحث الذي يحول الأسئلة إلى معرفة، والخبير الذي يحول القيم إلى سياسات وحلول، والإعلامي الذي يحسن مخاطبة المجال العام، والمثقف الذي يدخل في حوار مع المجتمع لا في حوار داخلي مغلق.. فالقائد المجتمعي هو الذي يخلق المبادرات، ويجمع الناس حول مشاريع نافعة، وهذا هو معنى الانتقال من النخبة التنظيمية إلى النخبة الحضارية. فالقيادة الحضارية لا تبدأ من المكتب التنفيذي، وإنما من القدرة على إنتاج قيمة مضافة في المجتمع.
ومن هنا يمكن فهم حديث الحركة عن انتقالها، من تنظيم شامل جامع إلى تنظيم رسالي يشتغل عبر مداخل متعددة، ومنها العمل العلمي والفكري والمدني، لأن توسيع مجالات العمل لا يجدي، إذا ظل العقل التنظيمي يبحث دائمًا عن المسؤولين داخل البنية نفسها. فالمطلوب أن تصبح الحركة بيئة لإنتاج الكفاءات، حتى لو لم تكن كل هذه الكفاءات مسؤولة فيها.
خامسًا- من “الحركة التي تنتج قياداتها” إلى “المشروع الذي ينتج رموزه“:
هنا ربما نصل إلى جوهر المسألة، فالحركة ليست مطالبة بأن تجعل كل علمائها ومفكريها مسؤولين فيها، بل ربما يكون العكس هو الأقرب إلى طبيعة المرحلة.
فقد يكون من علامات نضج المشروع، أن ينتج شخصيات تتجاوز التنظيم دون أن تنفصل عن رسالته، فهذه شخصية علمية قد تتفرغ للبحث، وهذا مفكر قد يتخصص في إنتاج المعرفة، وهذا أستاذ جامعي قد يخدم من موقعه الأكاديمي، وهذا خبير اقتصادي قد يشتغل في مجاله، وهذا مثقف قد يخاطب المجتمع من فضاء الثقافة، وهذا فاعل مدني قد يبني مؤسسة مستقلة.. فكل هؤلاء وغيرهم يمكن أن يكونوا جزءًا من المشروع الإصلاحي، دون أن يكونوا بالضرورة جزءًا من القيادة التنظيمية.
وهنا يصبح مفهوم “وحدة المشروع” أوسع من “وحدة التنظيم”، بحيث لا نحتاج فقط إلى حركة تنتج أعضاءً ومسؤولين، بل إلى مشروع ينتج مجتمعًا من الكفاءات والرموز. وهذا هو التحدي الأكبر أمام مرحلة ما بعد الصحوة، أي أن تتحول الحركة من مجرد حاضنة تنظيمية، إلى بيئة حضارية لإنتاج الإنسان المؤثر.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لسؤال “العلماء الجدد”، فنحن لا نبحث فقط عن أين العلماء..؟ وإنما عن الشخصيات القادرة على إنتاج المعنى، في مجتمع تغيرت فيه مصادر المعرفة والتأثير..
وقد لفت د.محمد الطوزي، في تحليله لتحولات الحقل الديني، إلى أن الثورة المعلوماتية غيرت شروط إنتاج وتداول الخطاب الديني، ولم تعد المعرفة الدينية حكرًا على المؤسسات التقليدية أو القنوات القديمة، وهي ملاحظة تجعل قضية “الترميز” أوسع من مجرد تكوين علماء بالمعنى التقليدي .
خاتمة- القائد الحقيقي هو الذي يجعل المشروع أقل حاجة إلى شخصه:
ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يحمله الجمع العام الثامن ليس: من سيقود الحركة..؟
فهذا جزء من السؤال، بل: ما المنظومة التي ستجعل الحركة قادرة على إنتاج، قادة وعلماء ومفكرين ومربين ورموز مجتمعية خلال العشرين سنة القادمة..؟
إن أعظم نجاح للقيادة ليس أن تظل حاضرة في الواجهة، وإنما أن تجعل المشروع قادرًا على الاستمرار بعدها. وأعظم نجاح للتنظيم ليس أن يملأ مواقعه بالمسؤولين، وإنما أن ينفتح على المجتمع بكفاءات ورموز تتجاوز حدوده. وأعظم نجاح في مجال التربية ليس أن تنتج عضوًا ملتزمًا، وإنما أن تنتج إنسانًا مؤثرًا، وأعظم نجاح للحركة ليس أن يعرف المجتمع أسماء قادتها فقط، وإنما أن يجد في أبنائها علماء ومفكرين ومربين وخبراء وفاعلين، يستطيعون أن يضيفوا إلى المجتمع، كلٌّ من موقعه.
فالمشروع الإصلاحي الذي لا ينتج خلفه يستهلك نفسه، والمشروع الذي لا ينتج رموزه يفقد قدرته على إنتاج المعنى، والمشروع الذي يجعل التنظيم نهاية الطريق، قد ينجح في بناء تنظيم قوي، لكنه قد يعجز عن بناء أثر حضاري واسع.
أما المشروع الذي يجعل الإنسان غايته، والعلم طريقه، والتجديد سنته، والمجتمع مجاله، فإنه يستطيع أن يتجاوز الأشخاص دون أن يتجاوز الرسالة.
وبذاك فالعمل يجب أن ينصب على منظومة صناعة القيادة وإنتاج النخب، حتى لا نبقى أسرى لتكرار نفس الوجوه، بل نصبح قادرين على إنتاج العقول والرموز التي يحتاجها المستقبل.
ولعل الجمع العام الثامن، لا يحتاج فقط إلى أن يختار من يقود المرحلة القادمة، بل إلى أن يجيب عن سؤال أكبر وهو: كيف نصنع الذين سيصنعون المرحلة التي بعدها..؟
فحين تصبح صناعة الخلف جزءًا من صناعة القيادة، وصناعة الرموز جزءًا من صناعة المشروع، نكون قد انتقلنا من إدارة الحركة إلى بناء قدرتها الحضارية.
يتبع…




