“شهادات الوفاء العلمي: كيف صاغت (لولا) أسانيد المعرفة العربية؟” – يوسف الحزيمري

توجد في كتب التراث الإسلامي عبارات استعملت للدلالة على أهمية العلماء في حفظ العلم، وأثر مصنفاتهم في العلوم، وهي تمثل نمطا أدبيا وتاريخيا يمكن وسمها بـ: “شهادات الوفاء وردّ الفضل”، وهي تعكس قيمة “التواضع العلمي” والاعتراف بدور الرواد والمؤسسين في حفظ العلوم وتطويرها.
وغالبا ما تبتدأ هذه الكلمات بـ: “لولا” وهي: “حرف يمتنع به الشيءُ؛ لامتناع غيره”، بمعنى أنه لو لم يكن هذا لما كان هذا، وتؤدي في هذا المقام وظيفة التعظيم، والتوقف المعرفي، والربط السببي.
وبما أن العلم تراكمي، فالتاريخ يحفظ لنا أسماءً كانت بمثابة “نقاط تحول” أو “جسور عبور” من خلال مصنفاتهم لولاها لانقطعت أسانيد المعرفة.
ففي حقل الفقه والحديث والتربية الروحية، نجد أبا حنيفة النعمان يقول عن فترة تعلمه وتلقيه عن الإمام جعفر الصادق “لولا السنتان لهلك النعمان” تعبيرا عن أهمية التلقي المباشر عن آل البيت، وأن من العلماء من تستفيد منهم في المدة الوجيزة أكثر مما تستفيده مع غيره في سنوات.
وهذا الإمام الشافعي يقول في الإمام مالك وابن عيينة: “لولا مالك وابن عيينة لذهب علم أهل الحجاز” دلالة على وساطتهما العظيمة في نقل علم المدينة، ودورهما في الحفظ والضبط والتدوين.
وفي علم اللغة والنحو يقول الإمام ثعلب في الفراء: “لولا الفراء لما كانت عربية” تنبيها على دوره في التقعيد والتخليص والضبط اللغوي.
وقول الأشموني: “لولا المرادي ما عرفت مرادي” إشارة إلى استعانته بالشيخ في فك رموز الألفية، واعترافا بالفضل لأهله.
ومما شهر في التحضيض على الهوية والتعريف بالعلوم ومصنفاتها في سياق التأصيل والتعريف والترويج، قولهم: “لولا الشفا لما عرف عياض” و”لولا عياض لما عرف المغرب” في الدلالة على أن كيف يرفع الكتاب شأن صاحبه وشأن بلده، وكيف يصبح العلم -ككتاب الشفا- سفيرا بين المغرب والمشرق، كقوة ناعمة وهوية جغرافية.
وفي حقل التصوف يقولون: “لولا التعرف لما عرف التصوف”، إشارة إلى كتاب التعرف للكلاباذي، وأثره في بيان هذا العلم ومذاهب أصحابه ودور الكتاب في حماية المناهج من الانحراف أو الاندثار.
وفي حقل الترجمة والنقل الحضاري (حوار الحضارات) يقولون في عمل ثابت بن قرة: “لولا تعريب ثابت لما انتفع أحد بالكتب الحكمية” تنبيها على قيمة المترجم كجسر معرفي، فالعلم المسجون في لغة واحدة علم “هالك” بالنسبة لغير أهلها.
وقد قيلت هذه العبارات التي هي بمثابة شهادات تاريخية مسجلة، من باب التواضع العلمي اعترافا بفضل السابقين، ومن باب حفظ الأمانة في توضيح أهمية الأصول التي استمد منها المتأخرون علمهم، ومركزية هذه الأصول كونها كتباً “مفتاحية” لولاها لظل العلم طلاسم غير مفهومة.
هذه العبارات تُعلمنا أن العلم ليس جهداً فردياً منعزلاً، بل هو سلسلة مباركة، فكما قال هؤلاء “لولا” عمن سبقهم، سيأتي من يقول “لولا” عن جهود من جاء بعدهم، ما دامت الغاية هي حفظ الدين واللغة والحكمة.
هذا وإن أعظم -ما يستحضر في هذا المقام- نعمة أنعم الله بها علينا أن عرّفنا بنفسه، وأرسل إلينا أنبياءه ورسله، وجعل خاتمتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بالهدى ودين الحق، دين الإسلام، فـ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}.




