ذة فاطمة أزرور تكتب: فطوبى للغرباء.. قراءة في فلسفة “عابر السبيل” 1/3
تأتي وصية النبي ﷺ لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لتضع حداً فاصلاً بين “الاستهلاك النفسي” وبين “الاستقرار الوجداني”: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» [صحيح البخاري].
هذا النص ليس مجرد نص وعظي، بل هو “استراتيجية نفسية” تهدف إلى تحرير الفرد من ثقل التوقعات في الحياة.
لماذا “غريب” و”عابر السبيل”؟
الغريب: هو من يسكن مكاناً ليس موطنه، فهو يتجنب الصراعات الهامشية، ولا ينافس أهل الدار على وجاهتهم، لأنه يدرك أن “هويته” مستمدة من وطنه الأصلي لا من مكان إقامته المؤقت.
وعابر السبيل: هو أشد درجة في التحرر، فهو لا يملك حتى وقت الاستقرار، وجهته دائماً أمام عينيه، وكل ما يمر عليه في رحلته “مشهد عابر” لا يستحق الالتفات الطويل.
عندما يتبنى الإنسان عقلية “عابر السبيل”، فإنه يمارس نوعاً من التجرد الذكي.
إن أكبر أزمات الإنسان النفسية تنبع من رغبته في أن يكون “مفهوماً”، و”مقَدراً”، و”مُكافئاً” من محيطه.
لكن عابر السبيل يدرك أن “النكران” الذي قد يواجهه في محطات الطريق هو سمة طبيعية للمكان، لا عيباً في المسافر.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ». هذه الخفة في التعامل مع الزمن والواقع تجعل الإنسان يتجاوز آلام الماضي وجفاء الحاضر.
إن عابر السبيل لا يحمل في حقيبته “ضغائن”، لأن الضغينة ثقيلة وتعيق المسير. هو يختار أن يمر بسلام، ليس ضعفاً، بل لأن وجهته أسمى من أن تضيع في عتابٍ لا ينتهي أو وقوفٍ على أطلال نكران.
إن تطبيق هذا الحديث يحول “الغربة وسط الناس” من حالة شعورية مؤلمة إلى “منهجية حصانة”، ويصبح جفاء القريب أو نكران الجميل مجرد “رياحٍ” في الطريق، قد تكون مزعجة نعم، لكنها لا تملك القدرة على إيقاف المسير أو تغيير الوجهة.
أن تعيش “كأنك غريب” يعني أن تستعيد سيادتك على مشاعرك. أن تجعل من “الاستغناء بالله” مركز ثقلك، بحيث لا يهزك جحود الأرض ما دمت ترجو قبول السماء. هنا تبدأ أولى خطوات الطريق نحو: “طوبى للغرباء”
#فطوبى للغرباء




