ذة فاطمة أزرور تكتب: عزة الغريب.. ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس 5/5
فطوبى للغرباء النهاية البداية
نصل اليوم إلى ختام الرحلة، وبداية التحرر، المحطة التي يتحول فيها الغريب من “عابرٍ مكلوم” إلى “عابرٍ مستغنٍ” إنها محطة “العزة”، وهي النتيجة الطبيعية لكل من عرف “بوصلة وجهته”، وامتلأ بـ “زاد الاستغناء”، ومارس بصدق “أدب الرحيل”، ثم انتهى بـ “تفويض أمره ل “البصير العليم العزيز الرحيم”
عزة سيادة وتحرر، لا كبرياء وتجبر.
يقول النبي ﷺ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» (رواه ابن ماجه)
العزة ألا تطلب من المخلوق ما لا يملكه إلا الخالق: (الأمان،العزة،الود،الجبر،اللطف،السلام..)
العزة هي إعادة برمجة ل”مركز الضبط الداخلي”، أن يكون مصدر تقدير الذات نابعاً من الداخل مستمدا من مصدره الحقيقي: (المؤمن العزيز الودود الجبار اللطيف السلام..)، لا مرتهنا بتقييم الآخرين، هي اليقين بأن ميزان قيمتك ليس في يد البشر.
العزة هي التحرر من “قلق السعي لإرضاء العابرين”، لتصبح “سيداً” على مشاعرك، فلا يرفعك ثناء، ولا يحطمك جفاء، لأنك استرددتَ سلطة الحكم على نفسك من أيديهم.
فتغدو عزيزاً بالاستمداد، لا ذليلاً بالاسترداد.
قد يتساءل الجريح وهو يلملم شتات روحه: لماذا كل هذا التعب؟ وما الذي سأجنيه من غربتي؟ الإجابة تكمن في تلك الكلمة النبوية العجيبة “طوبى”،
هي ليست مجرد مواساة، بل هي عوضٌ ملموس
هي شجرة في الجنة، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.
هي “الحسنى” والوطن الذي لا يُنفى منه صاحبه أبداً.
هي “طيب العيش” وسكينة القلب.
هي تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى الوراء فلا تشعر بالألم، بل بالسكينة، لأن تلك الغربة هي التي صنعت منك هذا “المستغني القرير العين”.
لقد غَرُبتَ عن أهوائهم لتقترب من خالقك، ورحلت عن زيفهم لتمتلئ بحق ربك. فكان الجزاء من جنس العمل، غربةً مؤقتة في الدنيا، يعقبها أمانٌ في جوار “العزيز الرحيم”.
عزتك تنبع من إيمانك أن (المانع) حين مَنَع عنك رضاهم، فقد (أعطاك) أُنسك به، وجعل “طوبى” نصيب قلبك لصدق وجهتك، فكان منعه عطاءً خفياً.
وإذا ضاقت بك السبل يوماً، فركنك الشديد:
(فَتَوَكَّلْ عَلَي اَ۬لْعَزِيزِ اِ۬لرَّحِيمِ (216) اِ۬لذِے يَر۪يٰكَ حِينَ تَقُومُ (217) وَتَقَلُّبَكَ فِے اِ۬لسَّٰجِدِينَۖ (218) إِنَّهُۥ هُوَ اَ۬لسَّمِيعُ اُ۬لْعَلِيمُۖ (219)) سورة الشعراء.
طوبى للغرباء الذين استردوا سيادتهم، وصانوا ودادهم، وترفعوا عن استجداء العوض ممن هم فقراء مثلهم.
انتهت رحلة “فطوبى للغرباء” ككلمات، لتبدأ رحلتنا كـ “عابرين” في طريق الوصول.
(فَلِلهِ اِ۬لْحَمْدُ رَبِّ اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ اِ۬لَارْضِ رَبِّ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ (35) وَلَهُ اُ۬لْكِبْرِيَآءُ فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِۖ وَهُوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُۖ (36)) سورة الجاثية.
يا أيها العابر..لا تمضِ وحيداً، اجعل “طوبى” نصب عينيك في الطريق، فهي ليست مجرد كلمة، بل هي وعدٌ لمن استردَّ نفسه ل “العزيز الحكيم”.
“فطوبى” لك كلما صمتَّ وقاراً، و”طوبى” لك كلما رحلتَ استغناءً، و”طوبى” لك كلما فوّضتَ أمراً.
فالغربة التي تُوصلك إلى “العزيز الحكيم”، هي وطنك الحقيقي.
فطوبى للغرباء…
بها تبدأ الحياة…
موعدنا قريبا إن شاء الله مع “سكينة القلب” التي تجعل الحياة تبدأ فعلياً بعد التعافي.
كونوا في القرب …
#سكينة القلب





