د هلاوي يدعو لثورة وعي حضاري لإنقاذ الأسرة المغربية وتثمين رصيدها التاريخي

قال الدكتور سعيد هلاوي إن الأسرة اليوم توجد في قلب التحولات والاستراتيجيات الدولية الكبرى، وتمثل جدار المقاومة الحضارية، مستدلاً بالنموذج الصامد للأسر في غزة.
وأوضح أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أن الانتقال النوعي في المشروع الإصلاحي للحركة يجسد الانتقال من مرحلة “البكاء على الأسرة” إلى مرحلة نصرتها والاهتمام العلمي بمخرجاتها.
جاء ذلك في محاضرة حول “نماذج من الخدمات الاجتماعية: الصلح والإصلاح، الوساطة، الإرشاد الأسري، التوجيه الأسري، والكوتشينغ التربوي”، قدمها في الدورة التكوينية الأولى لتكوين فاعلين في الإصلاح والتوجيه الأسري الذي أشرف على تنظيمها القسم المركزي لتنمية الموارد والقدرات البشرية يومي السبت والأحد 27 و28 دجنبر 2025 بمعهد التكوين بالرباط.
وتوقف المحاضر عند المفاهيم المؤطرة للعمل الاجتماعي، مبرزا الفرق بين الصلح والإصلاح كعمل تعبدي ومؤسساتي، يهدف لإنهاء الخصومات وتحقيق القسط، والإرشاد والتوجيه كآليات وقائية تهدف لبناء القدرات وتنمية المهارات الحياتية، والوساطة الأسرية كتقنية حديثة برع الغرب في تطويرها، بينما يمتلك المغرب فيها رصيدا تاريخيا وعرفيا هائلا.
ووجه الدكتور هلاوي نداء قويا للمشاركين بضرورة البحث في الممارسات الفضلى المتجذرة في الثقافة المغربية، مستعرضا نماذج تاريخية مثل “دار الغضبانة” و”دار الرباط” بالعرايش و”دار الضمانة” بوزان، معتبرا إياها مؤسسات وساطة اجتماعية سابقة لعصرها، داعيا إلى توثيق هذه الذاكرة وإعادة بنائها بأسلوب حديث يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وحذر الأستاذ الجامعي من التحولات الخطيرة التي تمس مفاهيم “تأبيد الرابطة الزوجية” لدى الشباب، داعيا المصلحين الاجتماعيين إلى التسلح بالأطر المعرفية والعلمية لمواجهة التيارات المادية والاباحية، مؤكدا أن “العلوم الأسرية” (سوسيولوجيا، اقتصاد، وطب الأسرة) يجب أن تكون في صلب التكوين المستمر للفاعلين.

وأكد هلاوي على أن الخدمات الاجتماعية، سواء كانت وقائية أو علاجية أو تنموية، تبقى صمام أمان للمجتمع. داعيا إلى ضرورة التفكير خارج الصندوق لاستعادة الريادة الحضارية للمغرب في مجالات التضامن والتماسك الأسري، وأهمية توثيق الممارسات الميدانية الناجحة لتتحول إلى نماذج علمية قابلة للتدريس والتعميم.
ودعا الخبير في قضايا الأسرة والبحث العلمي، إلى إعادة الاعتبار للممارسات الاجتماعية المغربية الأصيلة كمدخل وحيد لمواجهة الأزمات الأسرية المعاصرة، مؤكدا أن الاستعمار لم يحطم البنيات المادية فحسب، بل استهدف “الأرصدة الحضارية” التي كانت تشكل صمام أمان للمجتمع.
وكشف من خلال تجربة مهنية في ردهات محاكم الأسرة لحوالي قرابة 11 عاما، كشف الأستاذ الجامعي عن أرقام صادمة، وأوضح أن النزاع الأسري لا يتوقف عند حدود الزوجين، بل يمتد ليعصف بمقاولات ومشاريع كبرى ويؤثر على النسيج الاقتصادي، مؤكدا أن الدولة تؤدي ثمناً باهظاً حين تغيب التدخلات الوقائية والوساطات الحكيمة في فض النزاعات، خاصة لدى العائلات الكبرى ذات الروابط المتشعبة.
وقد استعرض المحاضر نماذج من العبقرية المغربية في حل النزاعات، انطلاق من الإرث العلمي والاجتماعي ، فذكر عدد من الأعلام أبرزهم المختار السوسي، وكيف كان الصلح بين القبائل سببا في هجرات علمية وتأسيس حواضر جديدة.
كما أشار إلى تجربة تاريخية من خلال مؤسسة الأمينة التي كانت تعينها المحاكم لمراقبة سلوك الزوجين في حالة الشقاق، وتقديم تقارير خبرة اجتماعية كممارسة استشرف بها المغرب منذ قرون دور”المساعد الاجتماعي” الحديث ، مؤكدا أن قيمة المغرب ارتفعت عالميا بفضل تراثه اللامادي، وأن “الممارسات الفضلى” في استقبال الضيف، والحكم، والأمثال، وحتى أغاني الأمهات، هي ثروة قومية يجب استثمارها في الإصلاح الأسري.




