الرئيسية-دروس ومواعظرمضانمقالات رأي

د مصطفى قرطاح يكتب: نظرات في أسماء القرآن الكريم – الحلقة الأولى

      تعددت الأسماء التي وضعها الله تعالى للقرآن الكريم، وأوردها عز وجل في ثنايا كتابه في صيغ متنوعة وسياقات متعددة، وكل هذه الوجوه ـ تعدد الأسماء والصيغ وتنوع السياقات ـ قرائن تدل دلالة بينة على أهمية تلك الأسماء في معرفة حقيقة القرآن الكريم وحسن تقديره ومعرفة مقاصده، وتؤكد على الحاجة المنهجية الملحة لمراعاة سياقات ورود تلك الأسماء من أجل إدراك معانيها.

          وقد نقل الإمام بدر الدين الزركشي أن القاضِي أبا المعالي عَزِيزِيَّ بنَ عَبْدِ الْملك (ت 494هـ) أحصى تلك الأسماء فانتهى به العدُّ إلى خمسة وخمسين اسما[1]، فيما نزل الإمام الرازي (ت 606ه) بذلك العدد إلى اثنين وثلاثين اسما فقط[2]؛ وأحصاها عند تفسير قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2]، أما الإمام الحرالي (ت 637 هـ)[3] فقد ألف في شأنها جزءا وأنهى أساميه إلى تسعين اسما[4]، وارتفع عددها عند الإمام مجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (ت 817 هـ) إلى مائة اسم، واستهل حديثه عنها بقوله: «اعلم أن كثرة ‌الأسماء تدل على شرف المسمى، أو كماله في أمر من الأمور»[5].

       هذه الجهود وغيرها تعكس العناية الفائقة للعلماء بهذه الأسماء، وحرصهم على استيعابها والاطلاع على معانيها، ومع تقديرنا البالغ لتلك الجهود وتنويهنا بها، فإنه وجب التنبيه إلى أن النظر في قوائم تلك الأسماء يكشف عن إدراج صفات القرآن الكريم في تلك القوائم، الأمر الذي يفضي إلى خلط الصفات بالأسماء وإلغاء التمايز بينها، وهو ما يأباه النسق القرآني الذي ركبت فيه الصفة على الاسم  تركيبا يدل على المغايرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]، ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾ [يس: 1-2]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾…

      وأرى أن الاطلاع على أسماء القرآن الكريم وإدراك معانيها يعد مدخلا أساسا لتدبره، وخطوة منهجية هامة للقيام بحقوقه التي جمعها الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121]. فهي أسماء أطلقها العليم الخبير، ووضعها في سياق كتاب ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وسنحاول في لاحق الحلقات تقديم ما تيسر من تلك الأسماء وبيان معانيها ومقتضياتها، عسى أن ينفعنا الله تعالى وقراءنا الكرام بها، والحمد لله رب العالمين. 

[1] ـ البرهان في علوم القرآن، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت 794 هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم [ت 1401 هـ]، الطبعة الأولى، 1376 هـ – 1957 م، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ج 1، ص 273.

[2] مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي (ت 606هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثالثة – 1420 هـ، ج 2، ص: 260 ـ 265.

[3] هو أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الأندلسي.

[4] البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ج1، ص 273.

[5] ـ بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق محمد علي النجار (ت 1385 ه)، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ج 1، ص 88.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى