د مصطفى قرطاح يكتب: اسم القرآن الكريم “الكتاب” – الحلقة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
سمى الله تعالى كلامه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم اسم “الكتاب”، وورد في آيات القرآن كثيرا، معرفا ومنكرا؛ ومن ذلك قوله سبحانه في افتتاح سورة البقرة: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]، وقوله تعالى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
والكتاب مصدر كتب يكتب كتابا، مثل: قام يقوم قياما، وصام يصوم صياما، وقيل: هو على وزن فِعَالٌ بمعنى مفعول، كاللباس بمعنى ملبوس، وكتبتُ الشيء إذا جمعتُهُ، وسميت الفرقة من الجيش كتيبة لاجتماعها، والكَتْبُ: ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط أو باللفظ، فالأصل في الكتابة النظم بالخط، لكن يستعار للنظم باللفظ أيضا، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها. وجاء مصطلح الكتاب في القرآن على وجوه، أحدها: الحجة والبرهان؛ كما في قوله تعالى: {أم لكم سلطان مبين فاتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} [الصافات: 156- 157]، وثانيها: الفرض والإيجاب؛ كما في قوله سبحانه: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم} [النساء: 24] أي هؤلاء النسوة المذكورات في الآية محرمات عليكم تحريما كتبه الله عليكم فرضا وإيجابا منه سبحانه.
وثالثها: الأجل، كما في قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]، ورابعها الإثبات، كما في قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) [الأنبياء/ 94] فإشارة إلى أنّ ذلك مثبت له ومجازى به.
وأرى أن تسمية كلام الله تعالى كتابا جاءت لتحقق بعض هذه المعاني فيه، فهو حجة النبي صلى الله عليه وسلم على نبوته، وهو كذلك حجة الله تعالى على خلقه، ومن ثم كان فرضا على الناس جميعا الإيمان والتصديق به، ثم إنه كلام ثابت في اللوح المحفوظ، فلا يمحى؛ ولذلك جاء في الحديث القدسي: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلتُ عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظان»[1].
وهكذا صار للأميين الذين بُعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم كتاب يقرؤونه، فارتفعت عنهم صفة الأمة، وصاروا أهل علم بما تضمنه هذا الكتاب من أنواع العلوم المختلفة، يستنيرون به ويحاجون به مخالفيهم. كما صار المسلمون أهل كتاب تجري عليهم كل الأحكام التي مناطها هذا الوصف؛ فإذا قرأ المسلم قول الله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [مريم: 12]، وقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 63]، علم أن هذه وصية الله تعالى إلى جميع من آتاهم الكتاب، فواجب عليه حمل القرآن الكريم بجِدٍّ، و تأديةِ ما أُمِر به فيه وافْتُرِض عليه[2].
وإذا قرأ قول الله جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 44]، علم أن هذه الآية تعنيه أيضا بحكم أنه يتلو الكتاب، فعليه أن يأمر الناس بالبر وأن يلزم نفسه به، وإذا قرأ قوله عز وجل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، أدرك أن لزاما عليه أن يؤمن بالقرآن كله؛ حتى لا يندرج ضمن هؤلاء الذين انكر الله عليهم هذا الصنيع، وبذلك تكون الأمة الإسلامية أحسن الأمم دينا، وتتعافى من أمراض التدين التي أصابت أهل الكتاب من قبلها.
خلاصة القول فإن إطلاق “الكتاب” على القرآن الكريم جعل المسلم كأنه لا يقرأ القرآن فقط، بل يقرأ إضافة إلى ذلك الكتب السماوية السابقة، خاصة وأن القرآن لم يأت منفصلا ومعزولا عنها، بل جاء مصدقا بها ومهيمنا عليها، والله تعالى يخاطب تالي القرآن بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: 18-19]، فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة: الكتاب المجيد.
[1]صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 16 – باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، تحقيق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، ج 4، ص 2197.
[2] انظر تفسير الطبري: (2/ 52)

