د رشيد العدوني: القصر الكبير والبقية.. عودة الحياة

المتابع للمشاهد القادمة من مدينة القصر الكبير (ولغيرها من المدن والقرى المنكوبة في المدن الشمالية للمملكة) لا يمكن إلا أن يفرح ويتوجه إلى الله بالحمد والثناء وترديد قوله تعالى ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (سورة فاطر، الآية 34).
إنهم لا يعودون إلى جدران وسقوف بل ترى في محياهم عودة إلى القلب والروح والحياة كما ألفوها لسنوات وعقود… في ابتساماتهم وتصريحاتهم تشعر بالطمأنينة وأن الحياة انتصرت.
بعدما عاشوه من أهوال وعشناه معهم من فزع… تلاه إخلاء كامل للمدينة في خطوة احترازية غير مسبوقة تحسبا لفيضانات محتملة وارتفاع منسوب مياه سد وادي المخازن.
القرار لم يكن سهلا … لكنه كان واضحا: الإنسان أولا.. كان الحذر واجبا… وكانت سلامة الأرواح فوق كل اعتبار؛ خرج الناس على عجل… ويعودون اليوم بامتنان.
يعودون ربما بدروس وتجارب مختلفة ما بين دروس التضامن والتراحم التي تعامل به سكان المدن المستقبلة: طنجة الشهامة وتطوان الكرم واصيلة الأصيلة، والعرائش المعطاءة وغيرها من مناطق المغرب الجميل…. وآخرون – وهم الأقلية- يعودون بالأم لما لاقوه من نقص في المعاملة أو قلة في المروءة أو من تجار الأزمات…. لكن المحن تربية نتعلم فيها دروس وعبر. والحمد لله على كل حال.
خرجوا قبل اسابيع خوفا… ويعودون اليوم رجاء … استقبلهم البعض بالتمر والحليب، ولخصت امرأة من العائدات لبيتها وأرضها بعفوية قائلة: “أحسن لحظة في حياتي أنني وصلت لبلادي ورجعت لمدينتي، اللهم لك الحمد.”
لكن ما يمنح هذه العودة معناها الأعمق أنها تأتي على أعتاب رمضان المبارك.
رمضان في الوجدان المغربي ليس مجرد الشهر التاسع في التقويم الهجري؛ إنه عودة سنوية إلى الذات، إلى البيوت العامرة، إلى المساجد، إلى صلة الرحم، إلى دفء الجماعة.. إلى شهر الخيرات والبركات.
وكأن القصر الكبير تعيش عودتين في آن واحد: عودة إلى البيوت… وعودة إلى الله.
ثم إن لهذه الأرض ذاكرة، هنا في هذا المجال نفسه، وقعت معركة وادي المخازن سنة 1578، المعروفة بمعركة الملوك الثلاثة، حيث انتصر المغرب في لحظة تاريخية فاصلة رسخت السيادة وغيرت موازين القوى.. وبقيت راسخة في التاريخ رغم تقصير المسؤولين عن حماية الذاكرة.
كانت المعركة صمودا في وجه خطر وجودي… واليوم صمود في وجه خطر طبيعي
ليست المقارنة في طبيعة الحدث، بل في رمزيته: في الحالتين هناك تهديد… وهناك تعبئة… وهناك اختيار للحياة.
الأمس كان دفاعا عن الأرض، واليوم دفاع عن الإنسان.
وخلال الست سنوات الأخيرة عاشت بلادنا ثلاث أزمات كبرى: جائحة كوفيد2020-2022، ثم زلزال الحوز2023، ثم فيضانات 2026.
فما الدوس التي ينبغي أن نحملها معنا كمغاربة؟
وفي هذا الصدد تحدث سرج لاتوش عما يسميه “بيداغوجية الكوارث”، ويعتبرها مصدر الأمل الوحيد لتغيير الوجهة، كما يتحدث آخرون عن الحاجة إلى الكوارث من أجل الإصلاح!!، وفكرة الكوارث أو الابتلاءات كما يطرحها هؤلاء ليس لها من فضيلة بتاتا إلا جانبها البيداغوجي، لأنها بمثابة منبه يدفع الانسان والمجتمعات إلى المراجعة وإعادة النظر…
ولذلك تعلمنا من هذه الكوارث:
- أن الاستباق خير من الندم، وأن قرارا شجاعا في الوقت المناسب ينقذ أمة.
- أن المخزون القيمي الذي يختزنه المغاربة هو مخزون استراتيجي، وهو صمام الأمان في مواجهة المصائب والكوارث…
- أن الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره يمنح المجتمع قوة داخلية تعينه على التجاوز.
- أن الدولة المستقرة القائمة بمسؤولياتها كاملة ضرورة حيوية، لكنها تحتاج دائم للإسناد الشعبي والمجتمعي
- أن التضامن المجتمع رأسمالنا الحقيقي في الأزمات … وآن آوان أن ترفع الدولة يدها عن الجمعيات الجادة بل أن تشجعها … والدولة تعرف جيدا الهيئات الجادة من الغشاشة.
- أن بناء مدن وطرق وبنيات تحتية قادرة على الصمود اصبح ضرورة وجودية ولا يمكن المخاطرة.
- أن الأوطان لا تقاس فقط بما تعيشه من رخاء، بل بقدرتها على النهوض بعد الشدائد.
رحم الله الموتى الذين فقدناهم في هذه المحطات الأليمة، ونحسبهم من الشهداء وشافى الله الجرحى وخلف الله على كل من فقد بيتا أو محصولا أو قطيعا. وتقبل الله من السلطات والجمعيات والشباب وجميع المغاربة الذين ساهموا في ملحمة أخرى لتجاوز المحنة ولله الحمد على أمطار الخير وعلى لطفه وتوفيقه.
وفي انتظار معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المنكوبة من القصر الكبير إلى تازة وتاونات والحسيمة وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة وإقليم الغرب و الشاون وتطوان والعرائش وغيرها.
ساكنة القصر الكبير وباقي المناطق المنكوبة اليوم تعود إلى بيوتها…لكنها تعود أقوى وتستقبل رمضان بطعم مختلف: طعم النجاة، وطعم الامتنان، وطعم البداية الجديدة.
وهذه الأرض اعتادت أن تنهض بعد الشدائد … فالحمد لله على كل حال ورمضان كريم، ووفقنا الله لصيامه وقيامه ولصالح الأعمال فيه.




