خطر القراءة القدَرية لقوانين “مدونة السُّنن القرآنية”: في أهمية الوعي بجدلية العلاقة بين الفعل الإلهي والمسؤولية البشرية

أولا: مدخل منهجي
يُعدّ استحضار السنن الإلهية في تحليل وفهم حركة التاريخ من أعظم مكاسب الوعي الذي ينشؤه التدبر القرآني. وتبلغ هذه العظمة التدبرية ذروتها مع اكتشاف وجود مدونة السنن القرآنية الحاكمة لحركة التاريخ وتطور أو تدهور العمران الإنساني. غير أن هذا الاستحضار ينطوي – إذا أسيء بناؤه – على خطرٍ منهجيٍّ ومعرفي جسيم، يتمثل في فهم منطقَ اشتغال السُّنن كبديل عن الفعل البشري، أو كآلية غيبية تجعل القدر يعمل نيابةً عن المظلومين، وينافح عن أصحاب الحقوق المهدورة، وينصر المنحازين بقلوبهم فقط لنصرة قيم العدل؛ وكان التاريخ يُدار تلقائيًا من خارج إرادة البشر، ودون اعتبار لمسؤولياتهم. وهذا هو مقصودنا بالقراءة القدَرية لقوانين مدونة السنن القرآنية.
فالقرآن، حين يتحدث عن قوانين المكر الإلهي، والاستدراج، والإملاء، والإحاطة، والمرصاد، وغيرها، لا يقدّم وعدًا بتعطيل الظلم تلقائيًا، ولا يرخّص لضحايا العلوّ والإفساد انتظار العدالة دون تدافع، بل يضع هذه القوانين ضمن منظومة سُننية متوازنة، تشتغل جدليًا بتحقق شروطها في معسكري الصراع: معسكر الإعراض والإفساد والاستكبار، ومعسكر الاستجابة والإصلاح والمقاومة.
ومن هنا، فإن أي قراءة أحادية للسنن تظل قراءة ناقصة، بل خطِرة، لأنها تُنتج وعي الانتظار والاستقالة والانسحاب من ساحات التدافع، لا وعي المبادرة والتجنيد والانخراط التحرري في معاركها.
ثانيا: التوازن القرآني بين الفعل الإلهي والمسؤولية البشرية
لا يقدّم القرآن تصورًا قدَريًا جامدًا للتاريخ، ولا يؤسس لرؤية تفويضية تُلقي بأعباء الفعل على الغيب وحده، كما لا يسمح في المقابل بنزعة بشرية مادية متغوّلة، تنزع الفعل البشري من سياقه الإلهي، وتحوّله إلى صراع إرادات منفلت من الضبط القيمي السنني.
بل إن البنية العميقة للخطاب القرآني تقوم على توازن دقيق بين جناحين متلازمين:
– جناحٍ يضبط حركة التاريخ من جهة الفعل الإلهي الحاكم المحيط المهيمن (بالمكر، والاستدراج، والإملاء، والإحاطة، والمرصاد…)؛
– وجناحٍ يُناط فيه التكليف والمسؤولية بالفعل البشري الواعي والمسؤول (الإعداد، التدافع، الوحدة بإقامة البنيان المرصوص، صيانة الصف من التنازع، الاقتحام، الصبر، الإصلاح…).
لقد عالجت المقالات السابقة دفعة أولى من سُنن الفعل الإلهي بوصفها إطار الإحاطة السننية التي لا يعمل التاريخ خارجها، ولا تتحرك القوى البشرية إلا داخل مداها. غير أن الاكتفاء بهذا الجناح – مهما بلغت دقته التحليلية – يظل ناقصًا إن لم يُستكمل ببيان شروط الفعل البشري المؤهَّل للعمل داخل هذه السنن، لا بالنيابة عنها، ولا في تعارض معها.
ثالثا: خطورة الفصل بين السنن الإلهية والفعل الإنساني
من أخطر الاختلالات المنهجية في التعامل مع السنن القرآنية، الفصلُ بين ما يمكن تسميته ب ـ”سنن الله” و “أفعال البشر” ، وكأن الأولى تعمل تلقائيًا، وكأن الثانية مستقلة أو بديلة عنها.
فالقرآن لا يعرض المكر الإلهي، ولا الاستدراج، ولا المرصاد، بوصفها عمليات تُنجز العدالة نيابةً عن البشر، ولا باعتبارها بدائل عن التدافع والإعداد والصبر والمصابرة والمرابطة، بل يعرضها بوصفها سنن ضبط، لا سنن إعفاء، وقوانين إحاطة، لا آليات استبدال.
فاشتغال قانون المرصاد الإلهي في رصد وتعقّب حركة الطغيان لا يعني تعطيل قانون التدافع معه وتحمل كلفته؛ كما أن الإملاء للظالم لا يعني إسقاط واجب الإعداد لمواجهته؛ وكما أن الاستدراج بانتشاء العلوّ والإفساد بنجاحاته، لا يُغني عن الصبر والمصابرة والمرابطة في مقارعته.
وكل قراءة تفصل بين الجناحين تُفضي – سننيًا – إلى أحد انحرافين:
– إما الانتظار العاجز باسم الثقة في اشتغال السُّنن الإلهية،
– أو الاندفاع تحت وطأة الجهل السنني باسم الحماسة استعجالا للنصر.
والقرآن بريء من كلا المسلكين، قولا واحدا.
رابعا: السنن القرآنية ليست بديلا عن الفعل بل شرطا لضبطه
تشتغل السنن القرآنية بوصفها قوانين حاكمة لمسار التاريخ، تضبط إيقاعه، وتكشف مآلاته، وتفضح أوهام السيطرة فيه. لكنها لا تُنجز النصر تلقائيًا، ولا تُنتج العدل آليًا، ولا تُسقط الطغيان دون كلفة بشرية.
فالقرآن حين يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ لا يَعِدُ بزوال فوري للطغيان، بل يُحذّر من مآله. وحين يتحدث عن المكر الإلهي، لا يُبرّر الركون، بل يكشف محدودية مكر البشر.
وحين يقرّر الإملاء للظالم، لا يمنح المظلوم رخصة النوم عن طلب حقوقه، بل يخبره بتأجيل لحظة الانكشاف.
وبهذا المعنى، فإن السنن القرآنية تُؤسس إطار المعنى واليقين، لكنها لا تُنتج فعل التغيير إلا حين ينهض الإنسان بشروطه.
خامسا: من إحاطة السنن إلى تكليف الفاعل البشري
إذا كان الجناح الأول من مدونة السنن القرآنية قد اشتغل على سؤال: كيف يُدار التاريخ من فوق؟ فإن الجناح الثاني يُعنى بسؤال: كيف يُطالَب الإنسان بالعمل من داخل هذا التاريخ؟
وهذا الجناح لا يتعلّق بأي فعل، ولا بأي حركة، بل بالفعل المؤهَّل سننيًا، والذي تحكمه جملة من القوانين، من أبرزها:
– قانون التدافع: يؤطر القرآن التدافع بوصفه آلية كونية لحفظ التوازن ومنع الفساد في الأرض، لا صراعًا عدميًا للإلغاء والاستئصال، بل حركة تاريخية تُبقي إمكان الإصلاح قائمًا وتمنع استقرار الظلم والعلو. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251).
– قانون إقامة البنيان المرصوص: لا ينهض الفعل الجماعي إلا على بنية متماسكة، تتجاوز الاجتماع العددي إلى وحدة القيم والوجهة والانضباط الأخلاقي والتنظيمي، وهو الشرط البنيوي لأي مواجهة تاريخية فاعلة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).
– قانون الإعداد: الإعداد في المنظور القرآني فعل تراكمي طويل النفس، يشتغل على الزمن، ويوازن بين القوة المادية والمعنوية والرمزية، ويقطع مع الارتجال وردود الفعل الانفعالي. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60).
– قانون الاقتحام: حين يبلغ الوعي الجمعي درجة النضج، ينتقل من الدفاع إلى المبادرة، ومن الخوف إلى الجرأة المحسوبة، فيكسر حواجز الرهبة، ويعيد تعريف الممكن داخل شروط الواقع. قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (البلد: 11).
– قانون الصبر والمصابرة والمرابطة: تشكل هذه الثلاثية الإطار الزمني الحامي للفعل، إذ تمنع الاستنزاف النفسي، وتحفظ الاستمرارية، وتساير قوانين الإملاء والاستدراج بطول النفس وثبات الوجهة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (آل عمران: 200).
– قانون حماية الصف من الغلظة والقسوة: يحذّر القرآن من الفظاظة وغلظة القلب باعتبارهما من أخطر عوامل تفكك البنيان المرصوص من الداخل، إذ لا تُهزم أمة الحق فقط بالعدو الخارجي، بل بانفضاضها الذاتي. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).
– قانون الاستبدال: هو القانون التحذيري الأعلى، الذي يضبط العلاقة بين السنن والفاعلين بها؛ فلا احتكار للتاريخ، ولا ضمان للبقاء خارج شروط الاستخلاف، ومن يخلّ بها يُستبدل حتمًا. قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (محمد: 38).
هذه القوانين ستعالج في مقالات مستقلة، ضمن هندسة سننية مزدوجة الجناحين، حيث يقابل كل قانون من قوانين الفعل البشري قانونٌ من قوانين الفعل الإلهي، في انسلاكٍ واعٍ تحت قانون الزوجية السننية الأعلى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: 49).. وسيُعالج كل قانون منها لاحقًا بوصفه بنية سننية لها شروطها وموانعها وآثارها.
خاتمة
بكلمة، ليست السنن الإلهية خطاب طمأنة، كما أن الفعل البشري ليس تفويضًا مطلقًا. وبين هذين الوهمين، يبني القرآن معادلة دقيقة:
– إلهٌ يحكم التاريخ بسننه،
– وإنسانٌ يُمتحن بفعله داخله.
ومن لم يفهم هذا التوازن، سيضلّ طريقه:
– إما بالاتكال على السنن دون فعل رشيد،
– أو بالفعل دون وعي رشيد بالسنن.
إن هذه المدونة السننية القرآنية ستمضي – بعون الله – في اتجاه المساهمة في استعادة هذا الميزان القرآني الدقيق، من أجل وعي قرآني سنني يصنع فاعلين يستحقون السيادة العادلة الرشيدة في التاريخ.
والله المستعان
د. الحبيب الشوباني




