خطة ترامب للعالم.. ملامح حقبة عنوانها السيطرة والحروب ورفاهية الأمريكي

بدأت ملامح حقبة جديدة للنظام العالمي تظهر في الأفق عنوانها القوة المفرطة والصفقات الكبرى بين القوى العظمى في العالم، كما بدأت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتكشف مع الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم.
وسبق لصحيفة “وول ستريت جورنال” أن كشفت عن تغيير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للنظام العالمي بسرعة غير مسبوقة، قبل أن يتم نشر إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية حيث أصبحت هذه الوثيقة متاحة للجميع بجل اللغات العالمية.
و أظهرت الوقائع تحقق ما تحدثت عنه الصحيفة من “سرعة تحركات الرئيس ترامب لتقليص حجم الحكومة الأمريكية، والضغط على حلفاء الولايات المتحدة، وإعادة توجيه الاقتصاد العالمي، بشكل يخلق تأثيرا مضاعفا”.
تقاسم العالم القديم
ومنذ تولي ترامب منصبه قال منتقدوه إنه يستحضر النزعة الاستعمارية في العصر الحديث بنصف الكرة الغربي، لإذ تحدث في وقت مبكر بعبارات غامضة، عن استعادة السيطرة على قناة بنما وضم جرينلاند وكندا، وكان البعض يرى في ذلك مجرد أضغاث أحلام.
وفي الآونة الأخيرة، زاد الوجود العسكري الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، لتبدأ التهديدات بشن ضربات برية في فنزويلا وفي دول أخرى تنشط فيها عصابات مخدرات من المخاوف داخل منطقة كان لواشنطن فيها تاريخ مضطرب من التدخلات العسكرية.
وفي هذا الشأن، حذر كاتب عمود الرأي إم غيسن بصحيفة نيويورك تايمز من أن ما يجري قد يعني تطبيقا لما بات يعرف بـ”عقيدة دونرو”، إذ إن اعتقال مادورو قد يكون، وفقا لغيسن مقدمة لعالم يستولي فيه ترامب على أميركا اللاتينية، وبوتين على أوروبا، والرئيس الصيني شي جين بينغ على تايوان.
تفعيل عقيدة دونرو
ويشرح “عقيدة دونرو” بكونها مصطلحا يمزج بين اسم دونالد و”عقيدة مونرو” التاريخية التي طرحها الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823 بهدف تعزيز تفوق الولايات المتحدة على المنطقة، تحت ستار معارضة الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الغربي.
حتى أن المصطلحات التي تستعمل اليوم في خطاب الإدارة الأمريكية تمتح كلها من العقيدة نفسها، وفي هذا الصدد يتحدث ترامب عن إعادة تنظيم نصف الكرة الغربي والمقصود به أمريكا اللاتينية، واسترجاع السيطرة الأمريكية نصف الكرة الشمالي في إشار إلى غرينلاند والقطب.
وتشدد إستراتيجية الأمن القومي، المكونة من 29 صفحة، على منظور “أمريكا أولا”، وعلى ضرورة إعادة إحياء عقيدة مونرو التي تعود إلى القرن التاسع عشر، والتي أعلنت أن نصف الكرة الغربي هو منطقة نفوذ واشنطن. ونبهت الوثيقة كذلك إلى أن أوروبا تواجه “محوا حضاريا” ويجب أن تغير مسارها.
وتأتي الاستراتيجية مدفوعة بالرغبة في القوة، إذ تقول “نريد تجنيد وتدريب وتجهيز ونشر أقوى وأكثر الجيوش فتكا وتقدما تكنولوجيا في العالم، لحماية مصالحنا، وردع الحروب، وإذا لزم الأمر الفوز بها بسرعة وبشكل حاسم مع أقل خسائر ممكنة لقواتنا”.
قوة ردع وسيطرة على الطاقة
وتضيف “نريد امتلاك أقوى وأصدق وأحدث قوة ردع نووي في العالم، إلى جانب دفاعات صاروخية من الجيل الجديد — بما في ذلك «القبة الذهبية» للأراضي الأمريكية — لحماية الشعب الأمريكي والأصول الأمريكية في الخارج وحلفاء الولايات المتحدة”.
أما تصور الاستراتيجية للدول العربية فلا يخرج عن الرغبة في النفط والغاز، تقول الاستراتيجية “نريد منع قوة معادية من السيطرة على الشرق الأوسط، واحتياطاته من النفط والغاز، وعنق الزجاجة التي تمر عبرها، مع تجنب «الحروب الأبدية» التي أغرقتنا في هذه المنطقة بكلفة باهظة”.
وتقول “إن استعادة الهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة (النفط والغاز والفحم والطاقة النووية) وإعادة توطين المكونات الرئيسية اللازمة لها تمثل أولوية استراتيجية مطلقة. إن الطاقة الرخيصة والوفيرة ستتيح خلق وظائف ذات أجور جيدة في الولايات المتحدة، وتخفيض التكاليف على المستهلكين والشركات الأمريكية”.
إشاعة اتفاقيات أبراهام
وتؤكد الاستراتيجية أن من مصلحة الولايات المتحدة ضمان ألا “تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو معلن، وأن يظل مضيق هرمز مفتوحا، وأن تبقى البحر الأحمر سالكة للملاحة، وألا تصبح المنطقة حاضنة أو مصدّرة للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الأراضي الأمريكية، وأن تبقى إسرائيل آمنة”.
وتبشر الاستراتيجية بتعميم اتفاقيات أبراهام قائلة “يمكننا، ويجب علينا، مواجهة هذا التهديد على المستويين الأيديولوجي والعسكري، من دون الانخراط في عقود من حروب «بناء الأمم» الفاشلة. ولدينا أيضاً مصلحة واضحة في توسيع «اتفاقيات أبراهام» لتشمل دولاً أخرى في المنطقة ودولاً أخرى من العالم الإسلامي.
وفي ما يتعلق بتوازن القوى، تقول “لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح لأي دولة بأن تصبح مهيمنة إلى درجة تهدد مصالحنا. سنعمل مع حلفائنا وشركائنا للحفاظ على توازن القوى على المستويين العالمي والإقليمي لمنع ظهور خصوم مهيمنين”.
تطويق روسيا والصين
وتبدي الاستراتيجية موقفا واضحا من الصين باعتبارها المنافس القوى ضمن النظام العالمي إلى جانب روسيا، حيث ترى أن الرئيس ترامب قلب أكثر من ثلاثة عقود من الافتراضات الخاطئة للولايات المتحدة بشأن الصين رأسا على عقب.
وتبرز أن الاعتقاد بكون فتح أسواق الولايات المتحدة الأمريكية أمام الصين، وتشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار في الصين، ونقل إنتاج الولايت المتحدة إلى هناك، سيسهل دخول الصين إلى ما يسمى «النظام الدولي القائم على القواعد» لكن ذلك لم يحدث ذلك.
وترى الاستراتيجية أن الصين أصبحت غنية وقوية، واستخدمت هاتين الميزتين لصالحها. أما النخب الأمريكية – على مدى أربع إدارات متعاقبة من الحزبين – فقد سهلت استراتيجية الصين عمدا أو رفضت رؤية الواقع.
وتخطط الولايات المتحدة الحضور بقوة في تايوان لسبب اقتصادي لا تخفي ذكره، بالقول “ويظلّ وجود توازن عسكري تقليدي مواتٍ عنصرا أساسيا في المنافسة الإستراتيجية. وينصب قدر كبير من الاهتمام، عن حق، على تايوان، جزئيا بسبب هيمنة تايوان على إنتاج أشباه الموصلات”.
أما روسيا التي لا يظهر اسمها بوضوح مثل الصين فهي تحضر كمنافس، حيث ترسم الاستراتيجية أرض الولايات المتحدة الأمريكية على أنها موقع جغرافي مميز مع موارد طبيعية وفيرة، ولا توجد قوة منافسة تهيمن فعليا على نصف كرة الأرض الذي ننتمي إليه، وحدودنا بلا خطر غزو عسكري، وتفصلنا عن القوى الكبرى الأخرى محيطات شاسعة.
ويظهر عند قراءة الاستراتيجية أنها تعطي الأولوية لرفاهية الأمريكي بالقول “أولاً، نريد البقاء المستمر والأمن الدائم للولايات المتحدة بصفتها جمهورية مستقلة ذات سيادة، تضمن حكومتها الحقوق الطبيعية التي منحها الله لمواطنيها، وتمنح الأولوية لرفاههم ومصالحهم”.
وبما أن الولايات المتحدة قد أفرجت عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي تتضمن تحديدا لأولوياتها وإدخال دول العالم ضمن مخططاتها فلابد أن هناك خططا لدول أخرى أو هذا هو الافتراض في مثل هذه الحالات وإن لم تتح للعموم.
موقع الإصلاح




