حفظ العقل في زمن الذكاء الاصطناعي – فهمي إسلام جيوانتو

“لعلكم تعقلون” عبارة تكررت كثيرا في القرآن الكريم. وحفظ العقل من أهم مقاصد شريعتنا الغراء. وهو -كما يقول الشاطبي – من جانبين: جانب العدم وجانب الوجود. أما حفظ العقل من جانب العدم: فبتحريم كل ما يفسد العقل من شرب الخمر وإقامة الحد على شاربه ومنع تلقي الأقوال الباطلة وقبول الشبهات. وأما حفظ العقل من جانب الوجود: فبالتفكر في آيات الله وتعلم العلوم النافعة والحث على استخدام العقل في مصالح الدنيا والآخرة.
وقد شهد هذا الزمان اختراعا عجيبا يساعد العقل من جهة ويقتله من جهة أخرى: وهو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي. وهو عبارة عن أعمال حاسوبية تقوم بما يقوم به عقل الإنسان من جمع المعلومات وترتيب العبارات وتحليل البيانات وصنع الأصوات والصور وضبط الحركات الميكانيكية إلى غير ذلك.
وهذا الاختراع له فوائده من تسهيل كثير من المهام واختصار الوقت وسرعة الإنجاز وتقليل التكاليف وتسهيل الوصول إلى المعلومات. وقد يشجع الإنسان على المنافسة وتقديم الأحسن حيث يحاول الإنسان أن يقوم بما عجزت عنه الأعمال الحاسوبية. فيطور حسه الفني، ويؤكد لمساته الإنسانية من الإبداعات والمبادئ والمشاعر والمواقف مما لم يتوفر لدى خدمات الذكاء الاصطناعي.
ولكن الذكاء الاصطناعي له مخاطر كثيرة: منها خسارة أصحاب الوظائف الروتينية. فكل وظيفة قائمة على الحركات المعلومة المتكررة يمكن أن تقوم بها الماكينة.
ومن المخاطر أيضا عدم ضبط المعايير الأخلاقية، فإن الذكاء الاصطناعي ليس له أخلاق ولا ومبدأ، وإنما هو مخرجات الحسابات والخوارزميات، إلا إذا راعت البرمجةُ محترزات أخلاقية، أدخلها المبرمج في برمجتها.
ومن المخاطر أيضا أنه قد يؤدي إلى ضمور العقل البشري. فالاعتماد على الآلة يقلل من قدرات العقل على الأعمال الفكرية. كما أن الإنسان المعاصر أضعف جسدا من الإنسان القديم بسبب اعتماده على التكنولوجيا، فإنسان المستقبل مهدد عقله بالضمور والضعف بسبب عدم قيام عقله بوظيفته كالحفظ، والتذكر، والتحليل، والتعلم. بل مهدد وجوده بفقد قدرة عقله على التفكير الجاد!
ومن المخاطر أيضا سهولة الغش وانتحال الأعمال الفكرية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يقوم بالتأليف وتقديم المعلومات مرتبة بمجرد إدخال أوامر قليلة وضغط الزر. فتأليف مقالة أو تصنيف كتاب يمكن أن يقوم به مبتدئ أو متعلم غير متخصص، خاصة إذا كانت المقالة أو الكتاب المطلوب تأليفه مجرد جمع معلومات وترتيب أفكار. والتمييز بين الأعمال العلمية الحقيقية والأعمال المصطنعة يكون صعبا ويحتاج إلى مهارة وإجراءات جديدة للكشف والتمييز.
ومن المخاطر أيضا ضياع المسؤولية في حالة النتائج الخاطئة، الآلات المتحركة بالذكاء إذا قامت بحركة خاطئة وقد تؤدي إلى القتل أحيانا، لا يمكن أن نعاقبها. والموظفة الالكترونية إذا قدمت معلومات خاطئة لا نقدر أن نحاسبها.
ومن المخاطر أيضا الاعتماد الكلي على نتائج بحث الذكاء الاصطناعي دون التأكد من صحتها. وقد بالغ بعض المغفلين في اعتماد الذكاء الاصطناعي حتى لجأ إليه كثير منهم في حل مشاكلهم النفسية! وقد حصل أن انتحر بعض السذَّج بالإشارة من الذكاء الاصطناعي!!
لذلك يجب الانتباه من أخطاء الذكاء الاصطناعي وعدم التسليم التام لنتائجه. ولا بد من التدخل البشري من أجل ضبطه وعدم تجاوزه للمعايير الأخلاقية. وأيضا يجب على الجهات المسؤولة في دول العالم أن يشرعوا في تقنين الذكاء الاصطناعي، فلا تترك هذه التقنية العجيبة دون قيود وضوابط.





