تفكيك وهم اطراد الإفساد والعلو: تأملات سننية في “قانون التدافع الإنساني” من وحي الآية 251 من سورة البقرة
المقالة التاسعة

أولا؛ مدخل منهجي: لماذا يشكل قانون التدافع أساس نظام العمران البشري؟
يأتي قانون التدافع في القرآن بوصفه سُنّة كونية وتاريخية حاكمة، لا توصيفا عارضا للصراع، ولا تبريرا أخلاقيا للعنف. فالتدافع هو الآلية السننية التي تمنع استقرار الإفساد في الأرض، وتحول دون ديمومة العلو، وتكسر وهم رسوخهما المطَّرِد في عالم يقوم وجوده على التعدد والتداول (من خصائص الاطراد: الانتظام والتكرار وفق نسق أو قانون)، ومن ثمّ، فإن التدافع الإنساني لا يمثل اختلالا في نظام العمران البشري تاريخيا، بل شرطا من شروط انتظامه، وضمانةً لعدم انغلاقه على نموذج واحد من الهيمنة والسيطرة والقيادة.
تأسيسا عليه، سيكون من الخطأ المنهجي عند قراءة الآية: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]، اختزال التدافع في صورته العسكرية فقط، أو في لحظات الصدام العنيف بشكل عام، لأن السياق القرآني يقدّمه باعتباره محركُ التداول بين القوى، وآلية نفي ادعاء السيادة المطلقة لأي تمظهر سلطوي مزمن في التاريخ، لا مجرد أداة تغيير موازين القوة الآنية.
ثانيا؛ التدافع في اللغة والتفسير: من الدفع الحسي إلى قانون التداول
التدافع لغويا من الدفع، وهو الإزالة بقوة مقابلة، غير أن هذا المعنى الحسي يتسع قرآنيًا ليحمل دلالة تاريخية مركبة، قوامها التزاحم بين القوى والقيم والسرديات، بما يمنع انفراد طرف واحد بإدارة المصير البشري.
وقد قرر الطبري أن غياب دفع الله الناس بعضهم ببعض سيؤدي إلى استحكام الفساد الناتج عن تسليط بعضهم على بعض. وبيّن القرطبي أن التدافع سُنّة لدفع المفاسد الناتجة عن تعدي الظالمين، وانتهاك حقوق المستضعفين، أما الرازي فلفت إلى أن الله لا يدفع الفساد مباشرة، بل يجريه بأيدي البشر امتحانًا لهم، ويجعل التنازع بين البشر نوعًا من المكابدة والمقاومة التي تحفظ النظام الإلهي في الأرض. وأما ابن عاشور فيرى أن دفع الله يمكن أن يكون إما من خلال القتال أو الاختلافات أو التوازنات الطبيعية بين القوى البشرية، مما يحفظ العدل في الأرض. مشددا على أن الفساد ليس مقتصرًا على الخراب المادي فقط، بل يشمل الفساد المعنوي والاجتماعي الناتج عن الطغيان. بما في ذلك العدوان والظلم والافتقار إلى العدالة. فالتفاعل بين الناس والاختلاف بينهم حِفظٌ لوجود التوازن، ومنعٌ لانتشار الفساد.
ثالثًا؛ قانون التدافع كَتَجَلٍّ لوحدانية الله: استحالة ديمومة احتكار القيادة في التاريخ
يقوم التصور القرآني للوجود على قاعدة توحيدية حاسمة، مفادها أن وحدانية الله المطلقة في الخلق والتدبير تستلزم، في المقابل، تعددية ما دونه في الفاعلية والمواقع والمراكز. وهذه التعددية ليست عيبًا في النظام، بل شرط اشتغاله، إذ ينتج عنها الاختلاف، ومن الاختلاف ينشأ التنافس، ومن التنافس يتولّد التدافع، بوصفه الآلية التي تضمن استمرار الحركة، ومنع استقرار وديمومة السيطرة لصالح طرف أوحد.
ومن هذا المنظور، لا يُفهم التدافع باعتباره حالة اضطرارية أو خللاً عابرا، بل باعتباره ضرورة سننية تَحولُ دون مصادرة التاريخ من قبل قوة واحدة. فكل ادعاء لاحتكار القيادة أو لتأبيد ورسوخ العُلو هو – في عمقه – ادعاء سيادي كوني، يناقض عقائديا مقتضى التوحيد، لأنه يسعى إلى تثبيت موقع بشري في مقام لا يستقر فيه إلا الإله الواحد القهار. ومن هنا، يصبح التدافع الوجه التاريخي العملي لنفي الشريك عن الله في مجال الإدارة الكونية، والهيمنة البشرية في التاريخ.
رابعا؛ التكليف السُّنني للمستضعفين: من تفكيك الإحباط إلى صناعة الفاعلية
إذا كان قانون التدافع هو المحرك الجوهري للتداول في التاريخ، فإن الإيمان به لا يقتصر على تفسير أفول القوى المهيمنة، بل يترتب عليه تكليف سنني مباشر للمستضعفين. فالتدافع لا يعمل تلقائيًا لصالح من ينتظر، ولا يُثمر لمن يعلّق مصيره على انتظار الصدى من الزمن المجرد، أو على سقوط الخصم دون مجاهدات فعلية من داخل حركة التاريخ.
إن أخطر ما يواجه المستضعفين في التاريخ، ليس اختلال ميزان القوة وحده، بل التحول الذهني الذي يُنتج ثقافة الإحباط والاتكال، وانتظار الفرج خارج شروط السُّنن. فهذه الثقافة حين تتفشى، تُعطّل الفاعلية، أما حين تسود، فإنها تُخرج أصحابها من معادلة التداول؛ لأنها تفترض – بوعي أو بدونه – أن التاريخ يتحرك دون فاعلين. أما الإيمان الواعي بقانون التدافع الإنساني، فيحرّر المستضعفين من وهم العجز البنيوي، ويعيد تعريف الفعل بوصفه تراكماً لا حسماً، واستمراريةً لا لحظة خاطفةً، وامتلاكاً للمعنى قبل امتلاك أدوات القوة.
خامسا؛ الحل الصهيوني للمسألة اليهودية ووهم السيادة المطلقة في التاريخ والجغرافيا
في هذا الإطار السنني، يُقرأ “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”- كما تجسد في احتلال فلسطين لتوطين حل أوروبي، لمعضلة أوروبية خالصة – بوصفه نموذجًا مهما لكشف وهم إلغاء التداول في التاريخ والجغرافيا، بالتعويل على تحويل فائض القوة إلى سيادة مطلقة في فلسطين المحتلة. لقد قامت هندسة وتنفيذ المشروع الصهيوني – كحل لـ”المسألة اليهودية” – على ثلاثة أسس عقائدية: (أولا) الاعتقاد التلمودي بحلول موعد الحسم والسيطرة النهائية على حركة التاريخ في بلاد الشام، لأنه تاريخ مفتوح ومقدس، ولن يغلق إلا بمجيئ المشياح لقيادة اليهود وحكم الأرض في الألفية السعيدة؛ و(ثانيا)، الاعتقاد التلمودي بضرورة التعجيل بمجيء المشياح عبر تسخير قوة الدول الامبريالية لتحويل شتات “الجماعات اليهودية” إلى “أمة سياسية”، و”الوعد الإلهي” إلى “حق تاريخي”، و”الخلاص” إلى “سيادة على أرض الميعاد”، كونها جغرافيا مقدسة موعودة بالاستعمار؛ و(ثالثا)، الاعتقاد بضرورة إنهاء وجود الشعب الفلسطيني وإحلال “شعب الله المختار” مكانه، لأنه فاعل تاريخي وتناقض وجودي يعيق تحقق النبوءات اليهودية.
غير أن ما أغفله هذا المشروع، وما لا يستطيع إدراكه، هو أن المقاومة الفلسطينية، منذ نشأتها الأولى، ليست رد فعل عابر سيتلاشى مع الزمن، بل فعلُ تدافعٍ سنني متصل، تراكمَ عبر الزمن، وتحوّل في الإرادات والأدوات دون الوجهة، حتى بلغ لحظة كاشفة مع طوفان الأقصى، مثّلت نقطة تحول سننية فارقة في الحكم الأخلاقي والسياسي العالمي على المشروع اليهودي الصهيوني، أسقطت صلاحية سرديته المصطنعة، وحوّلت قوته العنصرية المتوحشة إلى عبء على الضمير العالمي، وزجت به في مأزق وجودي أفقده القدرة على توقع مآلات الوقوع في فخ الإبادة الجماعية.
إن قانون التدافع الإنساني في حروب تحرير فلسطين المتواصلة منذ قرن، يشكل بُعد المسؤولية البشرية في مدونة السنن القرآنية، حيث تتجه حركة التاريخ المحكومة من أعلى بقوانين الإحاطة الإلهية، والمكر، والإملاء، المرصاد؛ والمدفوعة بشريا من أسفل بفاتورة جسيمة من التضحيات، هي ثمرة الاشتباك في ساحات المواجهة، بين يقين التحرر والانعتاق من الاستعباد، ووهم السيطرة الأبدية المطلقة على التاريخ والجغرافيا. لكن النتيجة محسومة سُننيّاً: لن يكون اطراد الإفساد والعلو الصهيوني استثناء في التاريخ؛ فزوال هذا الوهم مهمة حصرية لقانون التدافع، لأنه حين يشتغل، يمهد السبيل حتما لاشتغال قانون التداول.
خاتمة
إن الإيمان العقدي بقانون التدافع الإنساني، وبنتائجه السننية الحتمية، لا يمنح المستضعفين وعدًا بحسم سريع، لكنه يحميهم من أخطر أشكال الهزيمة: هزيمة الوعي. فهو يحررهم من زيف الظن باطراد قوة الظلم، ومن ثقافة الاتكال، وعقيدة انتظار المخلص، والخوف من المستقبل؛ ويزودهم بثقة سننية هائلة للعمل بعلم، والاستشراف بيقين، تجعلهم فاعلين في التاريخ لا مجرد معاقين فيه وضحايا له. وبهذا المعنى، يغدو الإيمان بقانون التدافع قوة استبصار تفكيكي عميق لمنظومات الإفساد والعلو، لأنه يسحب منها سلاح وهم السيطرة الأبدية، ويعيد إدراجها داخل حركة التداول التي لا تستقر على ظلم، ولا تختم التاريخ بقوة. فالتدافع ليس وعدًا بالنصر، بل ضمانة سننية بأن سيطرة القهر لا تدوم، وأن السيادة المطلقة بالعدل – في صيرورات التدافع التاريخي الإنساني – لله الواحد القهار وحده.
والله المستعان
د. الحبيب الشوباني



