أخبار عامةالرئيسية-

تقارير مغربية تحذر من تغول الإدمان الرقمي وتهديد التماسك المجتمعي

بينما كان المغرب يطمح إلى تسريع وتيرة “التحول الرقمي” لتعزيز الاقتصاد والخدمات، استيقظ المجتمع على واقع مغاير يشير إلى انزلاق فئات واسعة، وخاصة الشباب واليافعين في نفق “الإدمان الرقمي”.

فلم تعد الهواتف الذكية مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى “غرف معزولة” تلتهم ساعات طوال من يوميات المغاربة، وسط تحذيرات متصاعدة من خبراء النفس والاجتماع من تداعيات هذا “المخدر الصامت” على الصحة العقلية والروابط الأسرية.

وتشير الأرقام الأخيرة الصادرة عن مؤسسات رصد الفضاء الرقمي إلى أن المغرب يسجل مستويات قياسية في عدد ساعات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويتصدر “تيك توك” و”يوتيوب” قائمة المنصات الأكثر استهلاكاً للوقت.

هذا النهم الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أفرز اختلالات سلوكية بدأت تطفو على السطح؛ من اضطرابات النوم والقلق الحاد إلى تراجع التحصيل الدراسي والعزلة الاجتماعية، مما دفع بالعديد من الفعاليات المدنية للمطالبة بوضع استراتيجية وطنية لـ “اليقظة الرقمية” وحماية الأجيال الصاعدة من سطوة الخوارزميات.

وشهدت السنوات الأخيرة (2024-2026) اهتماماً متزايداً من المؤسسات الرسمية والمراكز البحثية في المغرب بظاهرة الإدمان الرقمي، نظراً للتحول السريع نحو الرقمنة.

تقرير المجلس الاقتصادي: مخاطر “ناشئة” تهدد المراهقين

وأصدر المجلس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) تقارير تحذيرية حول “المخاطر المرتبطة بالاستخدامات الرقمية”، خاصة لدى الفئات الهشة.

وأشار المجلس إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات يؤدي إلى اضطرابات في النوم، والقلق، والسلوكيات العدوانية لدى الأطفال والمراهقين. ويركز التقرير الأخير للمجلس على رصد “المخاطر الناشئة” عن التحول الرقمي السريع، محذراً من اتساع ظاهرة الإدمان الرقمي بين المراهقين المغربيين.

ويشير المجلس إلى أن غياب الرقابة الأبوية الوعي الرقمي قد حوّل الشاشات من أدوات للمعرفة إلى مصادر للاضطرابات النفسية مثل القلق الاجتماعي والعزلة، مما يستدعي تدخلاً تشريعياً لحماية القاصرين.

وفي شقه التوصياتي، دعا المجلس إلى إقرار “ميثاق وطني للمواطنة الرقمية” يتضمن حق المستخدم في “قطع الاتصال”، خاصة في بيئات العمل والتعليم. ووضع “سياسة وطنية للحماية الرقمية” وإدراج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية.

كما شدد على ضرورة توفير بنيات تحتية للصحة النفسية المتخصصة في علاج الإدمان السلوكي، مع إدراج حصص للتوعية بمخاطر “اقتصاد الانتباه” ضمن المناهج الدراسية المغربية.

أرقام صادمة: 40 مليون مشترك و”نهم” في استهلاك البيانات

على الرغم من أن تقارير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) ذات طابع إحصائي، إلا أنها كشفت في تقريرها السنوي عن أرقام تعكس “بيئة الإدمان”.

وكشفت البيانات الصادرة عن الوكالة لعام 2025 عن وصول عدد اشتراكات الإنترنت إلى نحو 40 مليون اشتراك، مع تسجيل استهلاك قياسي للبيانات بمعدل 40 جيجابايت شهرياً لكل مشترك. وأشارت إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه المغربي على الإنترنت يتجاوز 3 ساعات يومياً عبر الهاتف، وهو رقم مرشح للارتفاع في أوساط الشباب.

ويعكس هذا الرقم “الارتباط المفرط” للمغاربة بالشبكة، حيث أصبحت التطبيقات الرقمية (خاصة الفيديو والتواصل الاجتماعي) تستنزف الجزء الأكبر من وقت الاستخدام اليومي للمواطنين. وتوضح المؤشرات أن الهواتف المحمولة هي الوسيلة الأساسية للنفاذ بنسبة تفوق 92%، مما يساهم في تعزيز نمط حياة “الاتصال الدائم”.

وحذرت الوكالة من أن هذا التدفق الهائل للبيانات، رغم أهميته الاقتصادية، يفرض تحديات اجتماعية تتعلق بجودة المحتوى وسلوكيات الاستخدام، خاصة مع تراجع استخدام المكالمات التقليدية لصالح تطبيقات المحادثة الفورية التي تغذي الإدمان.

 ضريبة “الارتباط القسري” ببيئة العمل وتراجع التحصيل بسبب التنمر الرقمي 

وصدرت مؤخرا دراسة ميدانية لمركز “فضاءات المستقبل” حول الصحة النفسية والرقمنة، ركزت على “الاحتراق الرقمي” (Digital Burnout) في بيئة العمل المغربية.

ووجدت الدراسة أن 45% من المستجوبين يشعرون بضغط “الارتباط الدائم” (Always-on culture) حتى خارج أوقات العمل الرسمية عبر تطبيقات مثل “واتساب”، وهذا الارتباط القسري أدى إلى زيادة حالات “الضغط النفسي الرقمي” وتدهور التوازن بين الحياة الخاصة والمهنية.

كما رصدت تقارير داخلية في بعض الجهات (مثل جهة الدار البيضاء – سطات) تزايد ظاهرة “التنمر الرقمي” والإدمان على الألعاب الإلكترونية بين تلاميذ الابتدائي والإعدادي، مما أدى إلى تراجع النتائج الدراسية بنسبة ملحوظة لدى المدمنين على الشاشات.

خوارزميات عابرة للحدود وقيم محاصرة

وتناول تقرير “مؤشر الأمن الرقمي” لمركز سياسات الجنوب الجديد كيف أن غياب التوعية بالمخاطر الرقمية يجعل المستخدم المغربي أكثر عرضة للإدمان السلوكي، حيث يتم استغلال “اقتصاد الانتباه” عبر خوارزميات المنصات العالمية لاستهداف المستخدمين المحليين.

وتطرق المركز في أبحاثه لعام 2024-2026 “الهوية الرقمية” و”الاحتراق الرقمي”، مبرزاً كيف أدت الرقمنة الشاملة للمصالح الإدارية والاجتماعية في المغرب إلى خلق ضغط نفسي جديد على المستخدمين.

الدراسة رصدت تحول “الفضاء الافتراضي” إلى ساحة للمقارنات الاجتماعية المرهقة التي تؤدي إلى ما يعرف بـ “رهاب فوات الشيء” (FOMO)، مما يرفع مستويات التوتر بين الشباب المغربي.

كما أشار المركز إلى أن الخوارزميات المستخدمة في المنصات العالمية تستهدف السلوك الاستهلاكي للمغاربة بدقة، مما يجعل الانفصال عن الشاشة قرارا صعبا من الناحية النفسية.

وأوصت الدراسة بضرورة تعزيز “السيادة الرقمية” من خلال دعم محتوى محلي بديل يركز على القيم الاجتماعية والثقافية بدلا من التحفيز المستمر للدوبامين عبر المحتويات القصيرة والمشتتة.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى