الرئيسية-مقالات رأي

باباخويا يكتب: حركة التوحيد والإصلاح في زمن التحولات بين مرحلة الصحوة وسؤال الفعل الحضاري (2)

الحلقة الثانية: خامسا- السياسة: من سؤال المشاركة إلى سؤال الغاية

لعل التجربة المغربية تقدم مجالا غنيا للمراجعة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الدعوة والسياسة. فقد كان التمايز بين المجالين اجتهادا مهما، هدفه حماية الوظيفة الدعوية والتربوية من الاستقطاب السياسي، وفي الوقت نفسه إتاحة المجال للمشاركة في الحياة العامة عبر إطار سياسي مستقل.

هل حقق التمايز كل الأهداف التي وضع من أجلها..؟

هل أضعفت المشاركة السياسية، بشكل مباشر أو غير مباشر، بعض وظائف الحركة الأساسية..؟

هل استنزفت السياسة جزءا من الطاقات التي كان ينبغي أن تتجه إلى الدعوة والتربية والتكوين..؟

أم أن المشكلة لا تكمن في المشاركة ذاتها، وإنما في السياق السياسي، أو في طبيعة القيادة، أو في ضعف التجديد، أو في تراجع القدرة على إنتاج الرموز الفكرية..؟ وهل يصح أصلا أن نقيس نجاح المشاركة بنتائج الانتخابات وحدها..؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف تجربة بعينها، بقدر ما تستهدف تعلم المؤسسة من تجربتها، لأن فقه المآلات يفرض علينا ألا نقف عند صلاح الوسيلة في ذاتها، بل أن ننظر أيضا في آثارها ونتائجها. وهنا يقرر ابن عاشور أن “دقائق المصالح والمفاسد وآثارها

ووسائل تحصيلها هي من أعقد مجالات الاجتهاد، وأن فيها يتفاوت نظر العقلاء”، وهو ما يجعل اعتبار المآلات ضرورة في الإجتهاد والتنزيل. ومن ثم فإن ما كان صالحا في سياق قد يحتاج إلى مراجعة في سياق آخر، ليس لأن المقصد تغير، وإنما لأن الواقع الذي ننزل  فيه المقصد تغير . 

سادسا- أزمة قيادة أم أزمة إنتاج الرموز..؟    

من الأسئلة التي لا ينبغي أن تغيب عن الجمع العام القادم سؤال القيادة، ليس بمعنى: من سيقود الحركة في المرحلة القادمة..؟ فهذا سؤال ضروري، لكنه ليس السؤال الأعمق.

فالسؤال الأعمق هو: هل ما زالت الحركة تملك منظومة قادرة على إنتاج القيادات..؟ وهل القيادة عندنا مجرد تداول للمسؤوليات، أم أنها إنتاج مستمر للنخب..؟ وهل ما زلنا قادرين على إنتاج شخصيات علمية، وفكرية وتربوية ومجتمعية تتجاوز حدود التنظيم..؟

وقد أشار د.محمد الطوزي إلى مفهوم “العلماء الجدد” في سياق تحولات الحقل الديني، وهو مفهوم يفتح سؤالا مهما حول طبيعة الشخصية الدينية الجديدة، وعلاقتها  بالمعرفة الحديثة والمجال العمومي ووسائط التأثير الجديدة. وهذا السؤال لا يتعلق بالعلماء وحدهم، بل يتعلق بالمفكرين والمربين والخبراء، وصناع الثقافة والإعلاميين والفاعلين الاجتماعيين.. 

فأين الشخصيات التي يستطيع المجتمع أن يراها رموزا تتجاوز حدود التنظيم..؟

لقد كان للحركات الإسلامية في مراحل سابقة، قدرة أكبر على إنتاج شخصيات ذات إشعاع فكري وتربوي واسع، أما اليوم فإن جزءا من هذا الإشعاع انتقل إلى فضاءات أخرى .

ومن هنا يصبح السؤال الذي طرحه المفكر المغربي امحمد طلابي، في سياق حديثه عن الإنسان والعمران ذا دلالة خاصة. إذ يؤكد أن بناء العمران الراشد يمر أولا عبر بناء الإنسان المستخلف، ويدعو إلى تجديد البناء النظري للإيمان والإنسان والسلطة والتاريخ والعمران. وهذا التصور يوسع مفهوم النخبة من المسؤول التنظيمي، إلى الإنسان القادر على الإسهام في بناء العمران.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: كيف نجدد القيادة..؟ بل ينبغي أن نسأل: كيف نعيد بناء منظومة صناعة النخب..؟

سابعا- قانون المراجعة: “حين يصبح النقد فعل وفاء”

من الأفكار التي تستحق أن تستعاد في هذه اللحظة، فكرة د.أحمد العماري حول “قانون المراجعة”، كما قررها في كتابه “نظرية الإستعداد عند علماء المغرب.”

والفكرة في معناها العام شديدة الأهمية، فالمراجعة لا ينبغي أن تكون رد فعل على أزمة،

وإنما ينبغي أن تصبح جزءا من دورة حياة المشروع الإصلاحي.

فالمراجعة ليست طعنا في الأصل، وليست خيانة للتاريخ، وليست تنكرا لجهود السابقين، بل تعني أن كل تجربة بشرية تحتاج إلى أن تنظر في ذاتها باستمرار، وأن تميز بين ما هو ثابت وما هو متغير، وبين ما هو مقصد وما هو وسيلة، وبين ما نجح بالأمس وما يمكن أن ينجح غدا.

وهذا المعنى نجده حاضرا بقوة في الخطاب الإصلاحي للحركة، فالحمداوي يؤكد أن الفكرة إذا أصبحت معيقة ينبغي تجديدها أو حتى إلغاؤها، وأن الأفكار الرافعة ينبغي أن تكون استشرافية للتحولات ومجددة للمقاربات ومحدثة للأثر. وهذا من أعمق معاني

المراجعة، أي أن تكون قادرا على التخلي عن بعض أفكارك، لا لأنك تخليت عن رسالتك، وإنما لأنك تريد أن تظل الرسالة حية في واقع متغير.

إن المؤسسة التي تراجع نفسها وهي قوية أكثر قدرة على الإستمرار، من المؤسسة التي لا تراجع نفسها إلا بعد أن تضطرها الأزمات.

ثامنا- لماذا هذه السلسلة من المقالات..؟ 

من هذه الأسئلة ولدت هذه السلسلة من المقالات، وهي لا تدعي امتلاك أجوبة نهائية، ولا تقدم نفسها باعتبارها مشروعا بديلا عن الهيئات المختصة، ولا قراءة وحيدة لتاريخ الحركة.. إنها محاولة للمساهمة في ثقافة السؤال، ثقافة تقول إن من حق التجربة الناجحة أن تسأل، ومن واجب المؤسسة الحية أن تستمع، ومن حق الأجيال الجديدة أن تعيد التفكير في الأدوات التي ورثتها.

 وليس غريبا أن يكون هذا المدخل قريبا، من الروح النقدية التي ميزت مشروع محمد عابد الجابري، فقد جعل من نقد العقل العربي وإعادة بناء أدواته سؤالا مركزيا في مشروعه الفكري، انطلاقا من أن النهضة لا تكون بمجرد إضافة معلومات جديدة، وإنما بإعادة النظر في طرائق إنتاج المعرفة وفهم الواقع. وقد لخص بعض دارسي مشروعه رهانه في السؤال عن الذات: من نحن؟ باعتباره مدخلا إلى بناء المشروع النهضوي.

والسؤال الذي نطرحه هنا ليس بعيدا عن هذا المنطق: من نحن اليوم..؟ وأي حركة  نحتاج..؟ وأي وظيفة تاريخية ينبغي أن تؤديها..؟

ولهذا ستتناول المقالات المقبلة بحول الله تعالى خمسة أسئلة مترابطة: 

– هل استنفدت الحركة الإسلامية نموذجها..؟ في محاولة للتمييز بين أزمة ظرفية وأزمة نموذج، وبين نهاية مرحلة الصحوة  وبداية مرحلة تاريخية جديدة.

– من التربية إلى صناعة الإنسان المؤثر..

لمراجعة النموذج التربوي والأسرة التربوية، والتحصين الفكري وتأثير الثورة  الرقمية وصناعة القدوات..

– الدعوة والسياسة.. تقييم تجربة التمايز والمشاركة في النموذج المغربي، بعيدا عن اختزالها في النجاح الإنتخابي أو فشله.

– أزمة القيادة وإنتاج النخب.. للسؤال عن قدرتنا على صناعة الرموز والعلماء والمفكرين والقيادات المجتمعية، لا مجرد المسؤولين التنظيميين.

– أي مستقبل للحركة الإسلامية..؟ وهو سؤال يتجاوز التشخيص إلى بناء رؤية: ماذا ينبغي أن يبقى..؟ وماذا ينبغي أن يتغير..؟ وكيف يمكن الانتقال من نموذج الصحوة إلى نموذج الشهادة الحضارية..؟            

خاتمة:

ربما يكون أعظم ما تحتاجه الحركة في هذه المرحلة ليس جوابا جديدا، وإنما شجاعة جديدة في طرح الأسئلة. فالسؤال الذي لا نجرؤ على طرحه اليوم، قد يتحول غدا إلى أزمة لا نملك ترف تجاهلها، أما السؤال الذي نطرحه ونحن في كامل وعينا وثقتنا بتجربتنا، فقد يتحول إلى باب من أبواب التجديد. لقد علمتنا التجارب أن المؤسسات لا تموت عندما تختلف، وإنما قد تموت عندما تفقد القدرة على التفكير، ولذلك فإن الاختلاف الفكري المنضبط ليس خطرا على وحدة الحركة، بل قد يكون أحد شروط حيويتها، مادام الاختلاف يجري داخل دائرة الاحترام، والنية الصادقة والبحث عن الحق، وتقديم المصلحة العامة على الانتصار للرأي.

إننا لا نحتاج إلى أن نختار بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل، بل يمكن أن نكون أوفياء للماضي دون أن نسكن فيه، كما يمكن أن نكون منفتحين على المستقبل دون أن نضيع جذورنا. وهنا أيضا يمكن استحضار أحد أهم أبعاد مشروع عبد الوهاب المسيري، فهو لم يكن يدعو إلى الانعزال عن الحضارة الحديثة، وإنما كان يطرح إمكان بناء حداثة إنسانية ذات مرجعية قيمية، تنفتح على منجزات العصر دون أن تستسلم لرؤيته الكلية للإنسان والعالم.

فالرسالة باقية لكن الوسائل تتغير، والمقاصد ثابتة لكن الإجتهاد في تنزيلها متجدد، والحركة يمكن أن تتغير، لكنها تظل وفية لما قامت من أجله..

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في أفق الجمع العام الثامن، أننا لسنا أمام سؤال: كيف نحافظ على ما بنيناه..؟ بل أمام سؤال أكبر: كيف نبني ما يحتاجه مستقبل أمتنا..؟ ومن هنا تبدأ المراجعة، ومن المراجعة يبدأ التجديد، ومن التجديد يبدأ الأمل..

والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل..

يتبع…

 

أخبار / مقالات ذات صلة