النظام المعلوماتي للتعليم العالي.. ركيزة قرارات استراتيجية بنقائص هيكلية

يشكل النظام المعلوماتي أداة أساسية في العصر الرقمي؛ يجمع البيانات، يعالجها، ويحولها إلى معلومات قيمة تدعم اتخاذ القرارات الاستراتيجية في المؤسسات. ويساعد على اتخاذ القرارات من خلال جمع البيانات الخام من مصادر داخلية وخارجية.
كما يعزز النظام المعلوماتي الكفاءة التشغيلية من خلال تحليل البيانات الضخمة، وتقليل الأخطاء البشرية، وتحسين الإنتاجية عبر دمج الأجهزة والبرمجيات والشبكات. ويساهم في توفير تقارير دورية وتحليلات تنبؤية تمكن المديرين من تحديد المشكلات بسرعة وتقييم البدائل واختيار الحل الأمثل بدقة أعلى وبتكلفة أقل في وقت قليل.
وقد عمل التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 على دراسة وتحليل تدبير النظام المعلوماتي الخاص بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، خلال الفترة ما بين سنتي 2015 و2023، مركزا على وثيقتين أساسيتين: خارطة طريق 2018-2021 والمشروع رقم 18 يتعلق بـ2021-2023.
ويشكل النظام المعلوماتي الخاص بالتعليم العالي نواة أساسية من أجل الاستجابة للتحديات الراهنة والمستقبلية، لضمان الاستغلال الأمثل للتكنولوجيات الرقمية في مسار إصلاح منظومة التعليم العالي. كما يتوخى منه أن يلعب دورا هاما لتيسير ممارسة الأنشطة المهنية سواء على مستوى الوزارة أو الجامعات العمومية والمؤسسات التابعة لها.
غياب رؤية استراتيجية
ويقوم النظام المعلوماتي للتعليم العالي حالياً على هيكلة لا مركزية، حيث تتوفر كل من الوزارة
والجامعات، وبعض المؤسسات التابعة لها، على أنظمة معلوماتية مستقلة. غير أن هذا التعدد يسجل في غياب رؤية استراتيجية موحدة ومندمجة لنظام معلوماتي شامل خاص بقطاع التعليم العالي.
وقد أدى هذا الغياب إلى تطوير تطبيقات معلوماتية بشكل متفرق وغير منسق، مما نجم عنه ضعف في الترابط والتكامل بين مختلف الأنظمة. ويسجل اعتماد هذه الأنظمة على بنى تحتية معلوماتية قائمة على مراكز بيانات محلية، تابعة لكل من الوزارة والجامعات، دون اعتماد إطار موحد يضمن التنسيق والتكامل بينها.
ولم يعرف هذا النظام المعلوماتي أي تطور هام، ولم يبلغ درجة كافية من النضج كما أن أداء بنيته التحتية التقنية يبقى محدودا مما يؤثر على قدرته على الاستجابة بفعالية لمتطلبات أنشطة الوزارة والجامعات، كما يسجل المجلس الأعلى للحسابات.
ليس هذا فقط، يسجل غياب رؤية واضحة لنظام معلوماتي موحد خاص بقطاع التعليم العالي، أدى إلى تطوير تطبيقات معلوماتية بشكل مجزأ، دون ترابط بينها. كما يعاني النظام المعلوماتي من ضعف في تقاسم الموارد المعلوماتية، والحكامة التقنية وذلك في غياب تعضيد البنى التحتية المعلوماتية بين الوزارة والجامعات.
نقائص وتغراث أمنية
وتعمد الجامعات على استثمارات متفرقة في تطوير مراكز بيانات وبنى تحتية محلية، دون وجود توجه استراتيجي موحد، مما قد يؤدي إلى تكرار النفقات، وتعدد الحلول التقنية، وضعف في تناسق التجهيزات والبرمجيات المعتمدة. ويعرف النظام المعلوماتي غياب مساطر رسمية لتدبير مراكز البيانات، مما قد يؤثر سلبا على أمنها وكفاءتها التشغيلية.
وفي الحكامة، لا يتيح تحقيق قيادة فعالة ومنظمة بشكل كاف لنظام المعلومات، ولا يدعم تنفيذ الاستراتيجيات وتحقيق الأهداف الوظيفية للوزارة والجامعات بالشكل المطلوب. وذلك راجع لعدة نقائص من أبرزها غياب مخطط توجيهي، وعدم توثيق خطط العمل السنوية، وضعف تفعيل هيئات الحكامة وغياب توثيق السياسات والمساطر المعتمدة.
وتبقى وظيفة نظم المعلومات داخل الوزارة والجامعات غير مكتملة من الناحية المؤسسية وتفتقر إلى حكامة فعالة. وتعاني وظيفة النظم المعلوماتية الحالية من غياب تعريف واضح وموثق لألدوار
والمسؤوليات المرتبطة بتدبير نظام المعلومات. وتعرف المشاريع المعلوماتية المنجزة في الفترة ما بين 2015 و2023 غياب دراسات الجدوى، سواء على مستوى الوزارة أو الجامعات.
وعلى مستوى أمن النظام المعلوماتي، سجل المجلس الأعلى للحسابات أن الوزارة والجامعات لا تتوفر على نظام لتدبير أمن المعلومات يتماشى كليا مع الاستراتيجية المعتمدة من طرف كل منهما. وذلك راجع لمجموعة من النقائص تتعلق بسياسة وحكامة أمن نظم المعلومات، وقدرته على إدارة سعة الأصول المعلوماتية، والحماية ضد البرمجيات الخبيثة..
توصيات واعدة
وانتهى المجلس الأعلى للحسابات إلى اقتراح توصيات من أجل النهوض بالنظام المعلوماتي للتعليم العالي وتطويره ليصبح آلية فعالة. وقد أوصى المجلس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن تعمل بتنسيق مع الجامعات، على إعداد وتطوير استراتيجية شاملة وواضحة لنظام المعلومات، ترتكز على تحليل دقيق للوضع الحالي وتترجم إلى توجهات وأهداف قابلة للقياس.
وحثت المجلس على إعداد مخطط توجيهي شامل للتعليم العالي يُؤسس لهندسة متكاملة تدعم بناء نظام معلوماتي مندمج يوفر تغطية ملائمة للأنشطة المهنية، ويعزز التفاعل بين الوزارة والجامعات، ويتضمن تصنيف وبرمجة دقيقة للمشاريع ذات الأولوية، مع اعتماد منهجية واضحة للتنفيذ، والتتبع، والتقييم.
واقترح المجلس بتوثيق العمليات المهنية المعتمدة داخل الوزارة والجامعات بصفة رسمية، وبناء حكامة فعالة لنظام المعلومات عبر تحديد الهيئات المكلفة والمسؤوليات المتعلقة بها، وإعداد وتنفيذ سياسات ومساطر واضحة لتدبير النظام المعلوماتي، وتعزيز تدبير المشاريع المعلوماتية من خلال تحسين آليات التخطيط.
ودعا إلى تعزيز تدبير العمليات المعلوماتية بما يضمن استمرارية الخدمات، وتوافرها، ورفع مستوى أدائها لتلبية احتياجات وتطلعات المستخدمين، وخاصة، عبر إرساء آليات الطوارئ وإحداث مواقع النسخ الاحتياطي، والحرص على صيانة الأصول المعلوماتية ومراقبة تقادمها، وإرساء سياسة وآليات كفيلة بضمان الأمن المعلوماتي تتماشى مع استراتيجية الوزارة ومقتضيات الدليل الوطني لأمن نظم المعلومات.




