مقالات رأي

المصنفات المغربية في السيرة النبوية – نورالدين قربال

هذا عنوان للعرض الذي قدمه الأستاذ الباحث محمد يسف لنيل درجة دكتوراه الدولة، والتي اقتبست من دعوة الحق العدد 260 ربيع النبوي/نونبر 1986. لذلك ارتأيت في هذه الحلقة المتعلقة بالسيرة النبوية قراءة في عرض خبير في الموضوع. من خلال ما بلي:

لماذا الاهتمام بالسيرة النبوية؟

إن تعلق المغاربة بالسيرة النبوية والاحتفاء بذكراه اختيار استراتيجي، لأنهم أدركوا بأن أي إصلاح في إطار منظومة الإسلام لن يتم إلا باستحضار القدوة الحسنة والتي تشكل الريادة في سلم الأولويات، لاعتبارات متعددة: لأنه نبي ورسول عليه الصلاة والسلام، يحمل رسالة ربانية للعالمين، فهو نبي الإنسانية الأكرم كما ورد عند الدكتور، والذي بعثه رب العالمين الأعظم، يؤكد العارض على استقبال هذه الذكرى في السيرة النبوية طاعة ووسيلة تقربنا إلى الله وزلفى.

إذن يقدم هذا الرسول الأمين خريطة طريق سلوكية لمقتضيات الإسلام وأحكامه، بناء على جدلية قائمة بين النقل والعقل والواقع، وكون مرجعها رب العالمين، فإنه صالح لكل زمان ومكان وإنسان، انطلاقا من منظومة الرحمة.

من خلال تأملاتنا للواقع المعيش المتصف باللا يقين يمكن استحضار الكليات العامة للسيرة النبوية من أجل بسط نبراسا للقضايا المطروحة.

لماذا موضوع المصنفات؟

إن المصنفات علم يؤصل ويؤرخ ويحلل ويبدع ويترك ثروة اجتهادية يستفاد منها من أجل الاستمرار في إبراز كنوز السيرة النبوية. لكن العلوم تشرف بشرف موضوعها كما ورد عند الدكتور، محددا أهدافا راقية كمبتغى يجب تحققه من هذه المسيرة العلمية، ألا وهو الخير والنفع، خاصة أن موضوع البحث حسب نفس المرجع ذات المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتاريخ حياته، مستنبطين منها معاني الخير والكمال والعظمة والجلال والجمال وسخي الزاد وكريم العطاء، بالتالي نحضر للأجيال بنية تحتية لصناعة إلهامهم.

إن تبني هذا البحث، وتمثله سلوكيا انطلاقا من منطق القدوة والأسوة يحقق حسب الدكتور تجاوب القلب، والنفوس المؤمنة، كل هذا مرتبط بالنعم والآلاء أهمها محبة الله لعبده، وتكفير عنه ما تقدم من ذنبه. مستشهدا بقوله تعالى:(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) آل عمران 31.

القدوة وآثارها ذاتا ومجتمعا

القدوة بالنسبة للدكتور مطلب لا يتحقق بالتمني، ولكن باتخاذ الأسباب واصطناع الوسائل، والإخلاص في الطلب. بذلك يبرز أن القدوة تحتاج إلى الأخذ بالأسباب، والاجتهاد في إبداع وتوظيف الآليات، وهذا ما يصطلح عليه بالصواب، المصاحب دوما للإخلاص. بهذا المنهج نؤسس أجيالا تتسم بالشموخ للأخذ بزمام وأمانة العلم، وبناء العمران والإنسان، والتمدن والحضارة، والتوقان إلى المجد والعلياء.

إذن هذه ثروة علمية وسلوكية ناضجة وظفها أجدادنا حسب الدكتور في المجال التربوي والتعليمي، بعد القرآن الكريم. ظل هذا الاختيار حسب المرجع نفسه خلال أكثر من ستة قرون، حيث كانت الأمة تنعم بالريادة العلمية والتألق الفكري والمجد الحضاري. مستنتجا ما يلي: “وفي رأي الكثيرين من خبراء التربية والتعليم المعاصرين أن السيرة النبوية، يوم تأخذ موقعها في مناهج المسلمين، ويوم ينطلقون في تصوراتهم من منطلق القدوة، يومئذ فقط صح أن يقال عنهم، إنهم في حالة إقلاع حقيقي).

الذات وموضوع البحث

أثرت الديار في التنقيب في مناقب الآثار النبوية، رواية ودراية، مما تطور بحثه شكلا وجوهرا، لقد أبحر في السيرة النبوية المتعلقة بالمغرب، الذي أشرب حبها رغم البعد الجغرافي عن الشرق حيث نشأ علم السيرة ابتداء. لقد تعامل المغاربة مع علم السيرة، توثيقا وشرحا وإسنادا، واستنباطا واستصفاء معتمدين الاجتهاد والترجيح، ذكر مجموعة من المهتمين نحو: السهيلي، وأبو ذر الخشني، والكلاعي، والإمام القاضي عياض، وأبوعلي الغساني، وأبو بكر بن العربي، وابن الطلاع. فما هي أهم الاجتهادات في هذا الباب؟

لقد اعتمدوا اللغة أثناء بحوثهم لأنها مفتاح العلم والمعرفة، وتجاوزوا الرواية إلى الدراية، مستنبطين المواقف المؤثرة في البناء الحضاري والعمراني الإنساني، والحقوق والشمائل، كما قيدوا المهمل وميزوا المشكل، واجتهدوا في إخراج الأحكام الجليلة، وأسسوا التكامل المعرفي بما يخدم الغايات الكبرى من دراسة السيرة النبوية كما استحضروا القضايا الاستراتيجية التي عاشها الرسول عليه الصلاة والسلام. بهذا الزخم المغربي في التعامل مع السيرة النبوية تنوعت كما قال الدكتور إلى فنون كل يحمل هم فنه ويبدع فيه نحو حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ومغازيه، وأعلامه، ودلائله ومعجزاته وشمائله وخصائصه. بهذا الاجتهاد المغربي انتشر هذا النبوغ في المشرق فأصبح قدوة لهم في عدة المجالات.

لقد تناول في هذا البحث القيم مجموعة من القضايا نوجزها فيما يلي: السيرة والمغازي حوالي 29 مصنفا، الأقضية والأحكام، المولد النبوي، المسجدان والحرمان، السيرة الشعرية، الدلائل والأعلام، المعجزات، الشمائل والخصائص. كما أفرد القسم الثاني للسيرة المغربية عند المشارقة.

مخرجات هذه الرحلة البحثية المتميزة

 استنتج الدكتور، مجموعة من المخرجات يمكن تلخيصها فيما يلي:

المغرب دار قرآن وسيرة حيث بلغت المصنفات ما يربوا على 250 مصنفا، وانتقل المغرب من مرحلة النقل والرواية إلى مرحلة التصنيف والدراية، مما طور فنون السيرة النبوة وعلومها، كما أكد على دور المغاربة في تطوير هذا العلم، حتى أصبحوا قدوة للمشارقة انطلاقا من مجموعة من الأعلام المغربية، معتمدا منهجا للنمو والاكتمال، لأن الحياة العلمية مطردة.

بالمناسبة فقد تقلد الدكتور محمد يسف مجموعة من المناصب وأرقاها الكاتب العام السابق للمجلس العلمي الأعلى الذي يترأسه أمير المؤمنين حفظه الله، مستثمرا خبرته بعلوم السيرة النبوية في السعي إلى ضبط الشأن الديني، وتجديد الخطاب الإسلامي، والاندماج المجتمعي. كان يضبط الفتوى ويعتني بها، ويعمل على تطوير المناهج بتواضع، واهتم بالخطاب والمأسسة، وبالتربية والتعليم.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى