القيم الدينية والممارسة السياسية – نورالدين قربال

ينطلق حزب العدالة والتنمية من مرجعية إسلامية والتي تتجلى في قيم الاستقامة، والحرية والمسؤولية والعدالة والتكافل، والنزاهة والشفافية. إضافة إلى ما ذكر، أكد على قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، كل هذا أوجزه في: المرجعية الإسلامية والوطنية والديمقراطية، والإصلاح، والنضال، والاستقلالية. كما أكد على ثوابت الأمة المتجلية في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي.
هذا ما يتطلب التركيز على البعد الأخلاقي في مفهومه العام باعتبار أن الإنسان هو محور كل إصلاح، روحيا وفكريا وسلوكيا. لأن الدين له موقع مهم في السلوك السياسي، بحجة أن الإسلام مبادئ ومقاصد، وأحكام، وقيم، وأخلاق. بهذا التصور ركز حزب العدالة والتنمية على ما يلي: تكريس المرجعية الإسلامية للحزب، وصيانة السيادة الوطنية، وترسيخ مصداقية الاختيار الديمقراطي، وتصحيح مسار النموذج التنموي، وصيانة استقلال القرار الحزبي وتوسيع دائرة التعاون.
إن قيم الرحمة وتكريم الإنسان واستتباب الأمن والسلم والتعارف والتعايش والتعاون قيم معززة للاختيارات المذكورة. من تم فالواجب هو استحضار العدل والشورى والحرية والمساواة أثناء تدبير الشأن العام، من أجل تحقيق التنمية الشاملة وكرامة المواطن، وحماية الترابط الاجتماعي. لأن السياسة في عمقها اختيار لخدمة الصالح العام وتحقيق الحياة الطيبة وفق المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية. لن يتم هذا إلا بالتدرج والتجديد وتقديم البدائل.
يقول ابن عاشور (إذا كانت الديمقراطية جيدة من حيث إنها نظم وآليات فإن الإسلام يستطيع أن يثريها بقيم تعطيها السمو الأخلاقي والعمق الإنساني الذي يحميها من سلبيات الرأسمالية المتوحشة والتلاعب بالضمائر والذمم. كما يؤكد ابن القيم على أنه إذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العدل وأسفر وجهه باي طريق كان، فتم شرع الله.. فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له.
إن السياسة حسب ابن منظور هي القيام على الشيء بما يصلحه، وحسب ابن عقيل ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح أبعد عن الفساد، ولو لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي. لا سياسة بدون فضل وإحسان والذي اعتبره الدكتور أحمد الريسوني فضيلة ونافلة والواجب هو العدل.. ويعني الإتقان والتجويد.. وهو السبق والمعالي.. ومعاملة الناس بالأحسن والحسن، وضده التطفيف، والغش، والقهر.
ثمة أمر آخر، لا بد من استحضاره هو فقه المآلات، في هذا المقام يؤكد الدكتور سعد الدين العثماني بأن الإصلاح يتم بنهج سلوك الطرق السلمية وهي الأجدى للبلاد والعباد، وان يعيش الناس بشيء من أخطائهم خير من أن يعيشوا في فتن لا تبقي ولا تذر. مضيفا بأن إدارة الخلاف يجب أن تتم بالطرق السلمية والتي أنتجت الوسائل الديمقراطية لإدارته، ويقصد بالمآل المرجع والمصير، والعاقبة، ونتائج الأعمال، وآثاره.
يمكن تلخيص القيم الدينية في علاقتها بالممارسة السياسية فيما يلي: العدل والشورى والمساواة والحرية، انطلاقا من مقاصد قرآنية تهم عمارة الأرض وبناء القيم ومراعاة المقاصد والتعارف الإنساني. بالتالي فلا سياسة بدون أخلاق. كيف ذلك؟
إن الإنسان مجبول على الأخلاق الحسنة، لأن نبينا عليه الصلاة والسلام بعث ليتمم مكارم الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ويرقى في سلم العلاقة بينه وبين ربه وبين الناس أجمعين، وإذا ارتبطت بالسياسة تصبح تيمة مركزية في الفعل السياسي. بذلك تسمو السياسة وترتقي وترشد. من ثم فالسياسي يجب أن يتمثل قيم الأمانة والعدل والمسؤولية والوفاء والنزاهة وخدمة الصالح العام.
من أجل تمثل هذه الصفات يلزم السياسي استحضار المرجعية الإسلامية فكرا وسلوكا، والعدالة والشورى والأمانة والمساواة وتحكيم العقل ومراعاة تغيير الزمان والمكان.
أخيرا وليس آخرا القيم الدينية ضرورة شرعية وحضارية واجتماعية ومنهجية للممارسة السياسية انطلاقا من مفاهيم الهوية والمشروعية والتجديد مع استحضار المرجعية والضوابط والتحديات ولكل مقام مقال ولكل نازلة فقهها اعتمادا على العدالة والأمانة والنزاهة والشورى والمشاركة، والكرامة، والسلم، والتعايش. قال تعالى (إن اريد إلا الإصلاح ما استطعت. وما توفيقي إلا بالله. عليه توكلت. وإليه أنيب) سورة هود الآية 88.





