مقالات رأي

التنمية الترابية المندمجة – نورالدين قربال

توطئة دستورية:

ينص الفصل 1 من الدستور على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة. كما نص الفصل 6 على أن السلطات العمومية تعمل على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. كما تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها كما نص على ذلك الفصل 13.

في مجال الحريات والحقوق الأساسية نص الفصل 19 من الدستور على أن الرجل والمرأة يتمتعان على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية. كما أشار الفصل 31 على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: العناية الصحية والحماية الاجتماعية والتعليم والتكوين المهني والسكن اللائق والشغل والوظائف العمومية حسب الاستحقاق والحصول على الماء والتنمية المستدامة.

يختص التشريع حسب الفصل 71 بالقواعد المتعلقة بتدبير البيئة وحماية الموارد الطبيعية والتمية المستدامة. كما خص الدستور الباب التاسع للجهات والجماعات الترابية الأخرى، مؤكدا على: التنمية البشرية المندمجة والمستدامة، كما تتوفر الجماعات الترابية على سلطة تنظيمية من أجل ممارسة صلاحيتها. كما تناول إحداث صندوقين لفائدة الجهات: صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق للتضامن بين الجهات.

لقد نص الفصل 152 على أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدلي برأيه في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة. كما ينص الباب الثاني عشر على الحكامة الجيدة، حيث تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور. كما نص الفصل 145 في إطار اللاتمركز الإداري على أن الولاة والعمال يمثلون السلطة المركزية في الجماعات الترابية بناء على الأدوار التالية: تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، كما يمارسون المراقبة الإدارية، ويساعدون رؤساء الجماعات الترابية وخاصة رؤساء المجالس الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، كما ينسقون أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية ويسهرون على حسن سيرها. بناء على هذه التوطئة نسائل أنفسنا: هل تفاعلنا مع المقتضيات الدستورية التي عرفت النور منذ سنة 2011 أم أننا في الغالب أفرغنا روحها تشريعيا وعمليا؟

التنمية البشرية المندمجة والمستدامة

 تستهدف التنمية البشرية الصحة والمعرفة والسكن والشغل والعيش اللائق والحرية والأمن الغذائي والدخل والاستقرار، عن طريق الاقتصاد والسوسيولوجيا وتعميم ثمار النمو على الجميع ومن المؤشرات الدالة على تميز التنمية البشرية الدخل الإجمالي والصحة والتعليم.

لكن تبقى هناك معيقات موضوعية تعيق التنمية البشرية وتتطلب مجهودا كبيرا لتجاوزها نحو المشاكل السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية والثقافية والاجتماعية ناهيك عن الجانب الذاتي والسيكولوجي.

تعتمد التنمية الترابية المندمجة على تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية واحترام مبدأ تكافؤ الفرص لكن لا يمكن تحقيق هذا الهدف المندمج والمنسجم إلا بالتكاملية بين السلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

 إن التنمية المستدامة تعتمد مرجعيات وطنية ودولية. يهم الأول النموذج التنموي الجديد، والثاني المرجع العالمي الإنمائي 2030. عناوينها الكبرى الاقتصاد وحقوق الإنسان وحسن تدبير الموارد مع استهداف التقليص من الفقر والجوع وتوفير الصحة والتعليم واعتماد المساواة، وإيجاد الموارد المالية والطاقية والتقليص من العطالة وتطوير الإقلاع الصناعي والتغلب على التحديات المناخية وبسط العدالة، ولن يتحقق هذا إلا بالتعاون والتوازن بين السلط باعتبارها توزيعا عادلا لقيم الديمقراطية التمثيلية والمواطنة والتشاركية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

خلاصات

يبدو لنا أن تنزيل مقتضيات الجهوية المتقدمة ما زالت متواضعة جدا. لأن التنمية الترابية لم تتخذ حضورها الفعلي في الميزانيات العمومية. كل هذا تسبب في اللاتوازن المجالي والترابي. مما انعكس على ضعف الاستثمار المنتج وتوسيع دائرة العطالة. هذا ما أكد عليه جلالة الملك في خطاب يوليوز 2025، الذي دعا فيه جلالته إلى مقاربة جديدة للتنمية المجالية المندمجة في تناغم تام مع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية.

طالما رددت الحكومة الشعارات التالية: توفير التشغيل والخدمات الاجتماعية ومواجهة الإجهاد المائي، والتأهيل الترابي، والاهتمام بالمناطق الأكثر ضررا خاصة الواحات والجبال. كل هذا يسائل السياسات العمومية الحكومية ودور صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية الذي عوض بصندوق التنمية الترابية المندمجة؟ إذن متى نشرع في البرامج الهيكلية التي تجعل المغرب يسير بسرعة واحدة؟ هل هناك إرادة قوية للدخول في الجيل الجديد للبرامج الترابية في ظل الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

فما أحوجنا إلى عدالة ترابية، وإلى فتح المجال للكفاءات المؤهلة لهذه المهام الفضلى، وتجاوز التحديات المفبركة وفتح رهان كله أمل وفعل وتغيير: رهان يطابق بين الدال والمدلول والشكل والمضمون والصورة والجوهر، مع استحضار التكامل بين التمثيلية والتشاركية التي تشكل ركيزة من ركائز التنظيم الدستوري للمملكة.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى