أخبار عامةالرئيسية-

البارومتر العربي: غالبية الفلسطينيين متوجسون من خطة ترامب ويرفضون تجريد سلاح المقاومة

تزامن إجراء استطلاع رأي أجراه البارومتر العربي مع الكشف عن تفاصيل “خطة ترامب ذات النقاط العشرين” لإنهاء الصراع في غزة، والتي تم تبني أجزاء منها في قرار مجلس الأمن رقم 2803. تتضمن الخطة عناصر هيكلية قاسية، مثل إنشاء “قوة استقرار دولية” (ISF) وتشكيل “مجلس سلام” للإشراف على حكومة تكنوقراطية انتقالية.   

رغم أن الخطة تعد بإعادة إعمار ضخمة (تقدر تكلفتها بـ 70 مليار دولار حسب الأمم المتحدة)، إلا أن نتائج استطلاع البارومتر العربي أظهرت توجسا شعبيا من هذه الحلول “الفوقية”. فالفلسطينيون الذين يطالبون بالاستقرار (51%) قد يرحبون بوقف القتال، لكنهم يرفضون تجريد المقاومة من سلاحها كما تقتضي الخطة، حيث أعلنت حماس رسمياً رفضها للمهام الأمنية للقوة الدولية، معتبرة إياها “طرفاً في الصراع”.   

وتعكس نتائج الباروميتر أن أي خطة دولية لا تتعامل مع “أزمة الشرعية” الداخلية الفلسطينية ولا تقدم أفقاً حقيقياً لتقرير المصير ستصطدم بجدار الرفض الشعبي، حتى لو حققت هدوءا مؤقتا.   

الانتقال من التنمية الاقتصادية إلى متطلبات البقاء الأساسية

وكشفت نتائج استطلاع الباروميتر العربي عن تغيير جذري في عقلية المجتمع الفلسطيني؛ حيث رصدتُ انتقالاً حاداً من الاهتمام بالتنمية الاقتصادية طويلة الأمد إلى التركيز المطلق على متطلبات البقاء الأساسية مثل الصحة والتعليم.

 ويعكس هذا التحول عمق الصدمة التي خلفتها الأحداث الأخيرة، مما أدى إلى تآكل الثقة في استقرار المستقبل الاقتصادي مقابل الأولوية القصوى لتأمين الاحتياجات اليومية والخدمات الحيوية.

وتمثل نتائج الدورة التاسعة من استطلاع الباروميتر العربي في فلسطين، والتي أُجريت في الفترة مابين 8 و26 أكتوبر الأول 2025، وثيقة تحليلية فريدة لرصد التحولات العميقة في مجتمع يعيش تحت وطأة أزمة وجودية ممتدة.

وشمل هذا التقرير عينة عشوائية ممثلة من 1655 بالغاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، يكشف عن مجتمع يعيد تعريف أولوياته، وولاءاته السياسية، وحتى منظومته القيمية والاجتماعية استجابةً للدمار المادي والسياسي الذي خلفته حرب غزة وتداعياتها المستمرة.

 وتشير البيانات المجمعة إلى أن فلسطين في أواخر عام 2025 تمر بلحظة انقطاع تاريخي؛ حيث لم تعد المفاهيم التقليدية عن الحكم، والأمن، والشرعية السياسية كافية لتفسير تطلعات الشارع الذي بات ينحو نحو “الواقعية القاسية” والمطالبة بالاستقرار كأولوية قصوى تتقدم حتى على الممارسة الديمقراطية الإجرائية.   

أُجري العمل الميداني للدورة التاسعة في ظروف استثنائية، حيث كانت الضفة الغربية تواجه تصاعداً في عنف المستوطنين وإغلاقات عسكرية مكثفة، بينما كان قطاع غزة يحاول استيعاب آثار حرب مدمرة دامت عامين. 

هذا التحول يشير إلى أن المواطن الفلسطيني بات ينظر إلى التعليم ليس فقط كأداة للارتقاء الاجتماعي، بل كدرع دفاعي في وجه التجهيل والفقر الناتج عن الصراع. في المقابل، تراجعت التوقعات الاقتصادية الكلية؛ حيث يسود تشاؤم عميق تجاه قدرة السلطة الفلسطينية على معالجة الأزمات الهيكلية مثل البطالة والتضخم، حيث لم تتجاوز الثقة في قدرة السلطة على حل هذه الملفات نسبة 13% و11% على التوالي.   

زلزال الشرعية السياسية: انهيار فتح وصعود الاغتراب

تعد النتائج المتعلقة بالانتماء السياسي من “أقوى” وأخطر ما ورد في التقرير، حيث سجلت حركة فتح انهياراً غير مسبوق في شعبيتها بالضفة الغربية، متراجعة من 30% قبل الحرب إلى 18% فقط في أكتوبر 2025. هذا التراجع لا يعكس فقط عدم الرضا عن الأداء السياسي، بل يشير إلى أزمة هوية عميقة داخل الحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود. في المقابل، حافظت حركة حماس على قاعدتها بل وشهدت صعوداً في الضفة الغربية، حيث أصبحت الفصيل الأول بنسبة تفضيل بلغت 24% (ارتفاعاً من 17%).   

ومع ذلك، فإن الظاهرة الأكثر بروزاً ليست صعود حماس، بل هي “الاغتراب السياسي” الواسع؛ حيث صرح 51% من الفلسطينيين في الضفة الغربية بأنهم لا ينتمون لأي فصيل سياسي. هذه الكتلة الصامتة تمثل أغلبية شعبية تشعر بالخذلان من القوى التقليدية (فتح وحماس على حد سواء)، وهي كتلة تبحث عن بديل ثالث لم يتبلور بعد بشكل مؤسسي، رغم أن “القوى الثالثة” المشتتة لا تزال تحظى بدعم محدود بنسبة 7%.   

التفضيلات السياسية والانتماء الحزبي (الضفة الغربية)   

تؤكد هذه الأرقام أن النظام السياسي الفلسطيني يعيش حالة من “السيولة المفرطة”، حيث فقدت القيادة التقليدية القدرة على التعبئة الجماهيرية. وعند سؤال الجمهور عن الشخصية المفضلة لقيادة المرحلة المقبلة في انتخابات افتراضية، يظل مروان البرغوثي يتصدر النتائج بنسبة 30% في قطاع غزة، متفوقاً على خالد مشعل (22%) ومحمود عباس (13%)، مما يعكس رغبة في قيادة تجمع بين “شرعية النضال” والقدرة على تجاوز الانقسام.   

الثقة في المؤسسات والقيادة: أزمة ثقة مستفحلة

تستمر معدلات عدم الثقة في مؤسسات السلطة الفلسطينية في البقاء عند مستويات حرجة، مما يعيق أي محاولات للإصلاح الفوقي. في الضفة الغربية، تبلغ نسبة عدم الثقة برئيس السلطة الفلسطينية 77%، بينما لا تتجاوز الثقة بالحكومة 23%. ورغم وجود ارتفاع طفيف في الثقة بالحكومة (من 19% إلى 23%)، إلا أن المحللين يربطون ذلك بأثر “الالتفاف حول العلم” وقت الأزمات وليس بتحسن حقيقي في الأداء.      

تظهر البيانات مفارقة في تقييم الأجهزة الأمنية؛ فرغم أن الشعور بغياب الأمن قد ارتفع بشكل حاد (حيث يرى 42% أن مناطقهم غير آمنة مقابل 26% في 2023)، إلا أن الثقة في الشرطة ارتفعت بمقدار 9 نقاط مئوية. يمكن تفسير هذا الارتفاع بأن المواطنين في ظل تهديدات المستوطنين والتدخلات الخارجية باتوا يتمسكون بأي مؤسسة وطنية تمثل “السيادة المحلية” والنظام، حتى مع إدراكهم لقصورها العملياتي.   

فلسطين في مهب السيولة والانتظار

ترسم الدورة التاسعة للباروميتر العربي صورة لمجتمع “منهك لكنه واعٍ”؛ مجتمع فقد الثقة في نخبه التقليدية لكنه لم يجد بعد مساراً بديلاً. إن انهيار شرعية فتح، وصعود الاغتراب السياسي، والتحول نحو المحافظة الاجتماعية، والميل نحو “الرجل القوي”، كلها مؤشرات على أن “العقد الاجتماعي” القديم قد انتهى.   

فلسطين في عام 2026 ستكون أمام تحديين: الأول هو التعامل مع مشاريع “السلام الاقتصادي” أو “الإدارة الدولية” (مثل خطة ترامب)، والثاني هو إعادة بناء الذات الوطنية من القاع، في ظل تزايد الرغبة في الهجرة وتآكل الحريات. إن الأرقام الواردة في هذا التقرير ليست مجرد إحصائيات، بل هي توصيف لمجتمع يمر بلحظة “الخلاص أو الانهيار”، حيث بات الاستقرار هو العملة الأكثر ندرة وطلباً في سوق السياسة الفلسطينية.   

وتمثل نتائج الدورة التاسعة من استطلاع الباروميتر العربي في فلسطين، والتي أُجريت في الفترة مابين 8 و26 أكتوبر الأول 2025، وثيقة تحليلية فريدة لرصد التحولات العميقة في مجتمع يعيش تحت وطأة أزمة وجودية ممتدة.

وشمل هذا التقرير عينة عشوائية ممثلة من 1655 بالغاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، يكشف عن مجتمع يعيد تعريف أولوياته، وولاءاته السياسية، وحتى منظومته القيمية والاجتماعية استجابةً للدمار المادي والسياسي الذي خلفته حرب غزة وتداعياتها المستمرة.

تم جمع البيانات من 160 منطقة سكنية (80 في الضفة و80 في غزة)، بهامش خطأ لا يتجاوز 3%، مما يمنح هذه النتائج موثوقية عالية في تمثيل الاتجاهات العامة.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى