أطفالنا في قبضة الشاشات.. من يحمي البراءة؟

في زمن لم تعد فيه الشاشات مجرّد أدوات تواصل، بل أصبحت فضاءً موازياً للحياة اليومية، يفرض نفسه على العقول والقلوب والسلوك، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تأجيله: كيف نحمي أطفالنا في الفضاء الرقمي؟
لم يعد النقاش حول مواقع التواصل الاجتماعي نقاشاً تقنياً أو مرتبطاً فقط بحرية التعبير، بل تحول إلى سؤال تربوي وأخلاقي واستراتيجي يمسّ حاضر المجتمع ومستقبله. فالأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر تأثراً، والأقل قدرة على التمييز بين النافع والضار، في فضاء مفتوح لا يعترف بالحدود ولا بالخصوصيات الثقافية، ويتطور بسرعة تفوق قدرة الأُسَر والمؤسسات على المواكبة والتأطير.
المعطيات الرسمية في المغرب تشير إلى أن نسبة مرتفعة جداً من الأطفال دون الثامنة عشرة تستعمل منصات التواصل الاجتماعي، وغالباً دون مواكبة أسرية كافية أو تأطير تربوي منظم. كما أن قضاء ساعات طويلة يومياً أمام الشاشات أصبح واقعاً مألوفاً في البيوت والمدارس، لكنه ليس بالضرورة واقعاً آمناً أو متوازناً. فالتكرار اليومي يصنع العادة، والعادة تتحول تدريجياً إلى نمط حياة يعيد تشكيل الأولويات والعلاقات وأنماط التفكير.
والتقارير العلمية الدولية تربط بين الاستعمال المبكر والمفرط لوسائل التواصل وبين ارتفاع نسب القلق والاكتئاب، والسلوكيات الإدمانية، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، وتراجع الأداء الدراسي. غير أن الأثر لا يقف عند هذا الحد؛ إذ يتعرض القاصر لمضامين لا تراعي خصوصيته العمرية، ولا تنسجم أحياناً مع مرجعيته الثقافية والقيمية، فيجد نفسه أمام نماذج سلوكية وصور نجاح مشوهة، تزرع في وعيه مقاييس مختلة للنجاح والشهرة والقيمة، وتعيد تشكيل تصوراته عن ذاته وعن العالم من حوله؛ في مرحلة دقيقة من مراحل البناء النفسي والوجداني.
لسنا ضد التكنولوجيا، ولا ندعو إلى الانغلاق أو المنع المطلق؛ فالعالم الرقمي يحمل فرصاً حقيقية للتعلم والانفتاح والإبداع والتواصل الإيجابي. غير أن السؤال الملح هو: كيف ننتقل من الاستهلاك غير الواعي إلى الاستعمال الرشيد؟ وكيف نضمن أن تكون المنصات في خدمة الإنسان، لا أن يتحول الإنسان إلى مادة استهلاكية في خدمة خوارزمياتها التي صُممت لجذب الانتباه وإطالة زمن التفاعل وتحقيق الأرباح؟
عدد من الدول اتجه إلى تقنين ولوج القاصرين إلى منصات التواصل عبر تحديد سن أدنى واضح، وفرض آليات تَحقّق وحماية أكثر صرامة، وإلزام الشركات الرقمية بتحمّل جزء من المسؤولية المجتمعية. فهل آن الأوان لفتح نقاش وطني مسؤول حول “سن الرشد الرقمي” في المغرب؟ وهل نحتاج إلى مراجعة تشريعية وتربوية وإعلامية متكاملة تواكب التحولات المتسارعة في الفضاء الإلكتروني، دون تهويل ولا تردد؟
المسؤولية هنا جماعية ومتكاملة. الدولة مطالبة بإطار قانوني واضح يحدد المسؤوليات ويضمن الحماية الفعلية. والمدرسة مدعوة إلى إدماج التربية الرقمية والقيمية في المناهج بشكل عملي لا شكلي؛ يعزز مهارات التفكير النقدي والوعي بالمخاطر. والأسرة تحتاج إلى تمكينٍ وأدواتٍ مواكبة وتوجيه؛ حتى لا تبقى وحيدة أمام تحدٍّ تقني متسارع. كما أنّ الإعلام مطالب بالقيام بدوره في التوعية والتحسيس، بعيداً عن الإثارة أو التهوين.
إن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي ليست قضية تقنية عابرة، بل هي عنوان من عناوين السيادة التربوية، واختبار حقيقي لقدرتنا على الموازنة بين الانفتاح والحماية، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الاستفادة من التكنولوجيا وصيانة القيم.
وختاما؛ أطفالنا ليسوا أرقاماً في تقارير الاستهلاك الرقمي، ولا مجرد مستخدمين عابرين في منصات عالمية، بل هم أمانة في أعناقنا، ومستقبل وطن لا يقبل التفريط. ومن واجبنا أن نتحرك بوعي وحكمة وتدرج، حتى يظل الفضاء الرقمي مجالاً للمعرفة والبناء، لا باباً للتشويش والضياع، بل مساحةً للتوازن والنماء والارتقاء، تحفظ للطفولة براءتها، وللمجتمع تماسكه، وللوطن مستقبله الآمن بثقة وثبات.
عبد اللّطيف تغزوان – عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح




