أسطورة شعب الله المختار “من وهم التفوق إلى لعنة الزوال “- حسام الشعبي

على مرّ التاريخ، لعبت العقائد التاريخية دوراً محورياً في تشكيل هوية الأمم وبناء وعي أو نفسية وطنية أو مرجعية شعورية تساهم في ترسيخ قيم الوفاء والانتماء أو الكفاح إن اقتضت الضرورة أو الحالة التي يعيشها الوطن أو تعيشها الأمة. وتتشكّل هذه العقائد إما نتاج سيرورة أو أحداث تاريخية، عقيدة دينية أو خرافية أو واقع جغرافي. وهذه العقائد أصبحت شيئاً أساسياً ومحورياً في بناء أي وطن. لهذا فقد كان للكيان الصهيوني، على مرّ عهده، مجموعة من العقائد، ويسميها بعض المفكرين “بالأساطير” وقد كان لها دور في تأسيس “شرعية” لقيام هذا الكيان.

ومن بين هذه العقائد، برز “مفهوم شعب الله المختار”، الذي شهد نوعاً من الاختلاف في تفسيره بين حاخاميات الكيان نفسه. فعلى سبيل المثال، هناك حاخاميات تفسره هذه الأسطورة بـ”شعب خاص فوق جميع الشعوب”، وحاخاميات أخرى تفسرها بـ”شعب مميز بين البهائم”. ولكن الملاحظ هو تجاوز هذا المفهوم البعد الروحي كالاعتزاز بالمكانة الخاصة والمتميزة لشعب الكيان، إلى تبنّي تفسيرات عنصرية تتفاوت بين الغلوّ والتطرّف، لكنها تتفق جميعاً على تكريس نظرة تفوّقية تجاه الآخرين، الذي تم استغلاله لاحقاً ليصبح أداة تبريرية للسياسات الصهيونية ومنطق تعامل الدولة مع من يختلف عنها داخلياً (حليفها أو عدوها) وخارجياً (ضمن محيطها القُطري).

ومما لا شك فيه أن هذا الدافع العنصري ساهم في سعي الكيان لامتلاك عناصر القوة التي تمكنه من الصدارة “ضمن محيطه” وخلق واقع “مميز وخاص” له ولشعبه بما يتقاطع مع التفاسير الحاخامية. وكذلك ساهمت النزعة العنصرية في دفعه لاحتكار كافة مظاهر القوة ضمن محيطه ونسف أي مظهر من تمظهراتها، ثم نجح في تسويق النصف الأول من إنجازاته المتعلقة بامتلاك القوة، مع التستر على إنجازاته في الاحتكار والنسف . وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

سياسيًّا: تُعتبر الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لكن الوقائع شاهدة على محاربتها لأي نفس ديمقراطي يظهر في محيطها الإسلامي، والدليل عندنا نموذج مصر بشكل خاص ونموذج الربيع العربي بشكل عام، بل تعتبرها خطرًا على أمنها القومي.

أما اقتصاديًّا، فهي معجزة اقتصادية، لكن أثرها في تخريب اقتصادات محيطها تشهد عليه طبيعة الاتفاقيات المشتركة مع دول الطوق، مثل اتفاقية الغاز الطبيعي مع مصر واتفاقية الماء مع الأردن، وكذلك ما كشف عنه أمن الدولة المصري من مخططات لضرب الاقتصاد المصري.

عسكريًّا: جيش الكيان هو الجيش الذي لا يُقهر، لكنه يفرض على أمريكا الالتزام بمعاهدة التفوق النوعي للكيان.

فالكيان الصهيوني تشكلت عنده قابلية لإنشاء أساطير والعمل على تحقيقها بالقوة والإكراه أو بالمكر والخديعة، “ومسألة البقرات الحُمر أكبر مثال على ذلك”. فهم وضعوا شرط ظهور “المسيح المخلِّص” بذبح أربع بقرات حُمر، ولم يصبروا على مشيئة الإله، فقاموا بإنتاجها في المختبرات البيولوجية بدعوى تسريع عملية نزول “المسيح”.

وبناءً على الوضع السطحي، قد تظهر أسطورة شعب الله المختار، بالمقارنة مع أوضاع محيطها القُطري، بنوع من المنطقية والواقعية.

لماذا الاعتقاد العنصري بشعب الله المختار بات يشكل خطرًا على الكيان؟

إن الخطر يكمن في التفسير العنصري المرتبط بالهيمنة لهذه الأسطورة، والذي تم ربط قواعده وعقائده الوجودية عليها، كعقيدة “الأمن والرفاه”. كما لا يجب أن ننسى  كذلك السيرورة التاريخية التي  ساهمت في ترسيخ هذه الأخيرة، حيث بدأت بالانتصارات على الجيوش العربية و”اتفاقيات السلام” وصولًا إلى مسلسل التطبيع، مما رسخ هذا الواقع لدى شعب الكيان ودولته، فكان ذلك عمقًا لأزمتهم.

وتجلَّى خطر أسطورة شعب الله المختار عند شعب الكيان في شعور المستوطن بقوة عسكرية قاهرة تحميه، ومعجزة اقتصادية تؤويه، وقوة سياسية تفعل المستحيل لأجله، فكان تحول هذا الاعتقاد إلى كابوس مسألة وقت. لأن المستوطن برمج على مرحلة واحدة من مراحل الدولة، وهي قوة الهيمنة التي   عززت هجرته نحو فلسطين والتي كانت في الأصل بدافع اغتنام الفرصة، وربط مصيره الوجودي بمنطق الربح والخسارة، وهذا هو عمق التهديد، لأنه في منطق الدول لا توجد دولة عاشت مرحلة واحدة أبدية في تاريخها.

أما فيما يخص الدولة كمنظومة، وعلى وجه التحديد في منطقة العقائد، فهي ترتبط أساسًا بالقوة المطلقة التي لا تعرف الهزيمة ولا تندرج في قاموسها. لأن فكرة امتلاك واحتكار القوة جعلت الدولة لا تعرف كيف تدبر مرحلة الضعف، بل لا تعرف البتة مصطلح الضعف، وهذا راجع إلى كون تاريخ الكيان القصير مبنيًّا بشكل رئيسي على الهيمنة والانتصارات فقط. وهذا ما استبان بشكل واضح، ولم يعد يحتاج إلى بحث معمق للوصول إلى هذه الخلاصة.

تأثير هذه النظرة العنصرية لشعب الله المختار في الجيش

هذه النظرة ناتجة عن تغلغل الحاخامية العسكرية في كافة أجهزة الجيش، بحيث ترى الغير بنظرة عنصرية تحقيرية دونية، وأنه لا أحد يمكنه مجابهة العقل والجندي الصهيوني. وكما ذكرنا سلفًا، تبدو هذه النظرة منطقية إذا رُبطت بالقوة العسكرية والتطور التكنولوجي الكبير الذي يمتلكه الجيش.

لكن ظهرت التحقيقات الأخيرة للمؤسسات الأمنية الصهيونية فيما يسمى “فشل 7 أكتوبر”، وكشفت بوضوح كمية الغرور والكبر الذي غرقت فيه المؤسسة العسكرية والأمنية، والذي يمكن تلخيصه في “الردع، القوة، وعدم القدرة”. فقد أجمع وزير الحرب ورئيس الموساد ورئيس قسم الاستخبارات ومسؤول شعبة الاستخبارات وقائد فرقة غزة، على أن حماس مردوعة، وأن الجيش أضعف حماس، ولا يمكن لأي قوة الاقتراب من السلك الفاصل مع غزة.

لكن غرور شعب الله المختار بما يملك من قوة، ممتزجة مع عنصريته واحتقاره للآخر، جعله لا يسمع تصريحات السنوار جهارًا نهارًا: “سنأتيكم بطوفان هادر”، ولا يرى أمام عينيه جنود القسام وهم يتدربون على اقتحام المستوطنات وأسر الجنود واقتحام القواعد العسكرية.

وبالتالي، كان وجه الكيان مهيَّأً ليتلقى أقوى صفعة في تاريخه يوم 7 أكتوبر، من منطقة تحت إدارته ومراقبته، والأقل تسلحًا ضمن أعدائه، بجنود لا يتجاوزون تعداد كتيبة ونيف ، وبأسلحة خفيفة، جاثمين بذلك على عقيدة الأمان التي دفع فيها الكيان الغالي والرخيص لترسيخها. ومع دخوله في وضعية غريبة عليه، وهي وضعية الهزيمة ولو جزئيًّا، شاهدنا و نشاهد مستوى التخبط الذي عاشه الكيان ويعيشه في كافة تشكيلات الدولة “السياسية والعسكرية والشعبية” في حرب قال فيها رئيس وزرائه إنها “حرب وجودية” المفروض فيها التكتل و التآزر.

هذا الارتباك والتخبط، إضافة إلى حالة الاشتباكات العامة التي يشهدها الكيان ضمن “مرحلة الحرب” و”مرحلة الصفقة”، تجعلنا نتخيل إلى أي مستوى يمكن أن تصل إليه الأمور بعد انتهائها وبعد صدور نتائج التحقيقات . وهنا، نتأكد أن أسطورة شعب الله المختار أصبحت كارثة تعصف بالكيان على كافة مستوياته، ومن محاسن القدر أن قادة الكيان ماضية فيها دون هوادة.

وهذا واضح من خلال أول تغريدة في حساب رئيس أركان الجيش الصهيوني الجديد إيال زمير بعد تعيينه بكل عنجهية أو حتى مرض يقول :“أَتْبَعُ أَعْدَائِي فَأُدْرِكُهُمْ، وَلاَ أَرْجعُ حَتَّى أُفْنِيَهُمْ. وكأنه سيأتي بجيش أخر غير الذي تم التلاعب به في قطاع غزة .

ختاما يمكن القول أن هذه العقائد التي تتجاوز الواقع و أقرب للخيال من الواقع والتي باتت الشجرة التي تخفي غابة المشاكل والأعطاب و الإخفاق هي في الحقيقة معاول تهدم فكرة الصهيونية العنصرية كحل لليهود ومسامير في نعش الصهيونية، إنا غدا لناظره قريب بإذن الله تعالى لأن التاريخ عنيد لا يجامل، والواقع صارم لا يرحم الوهم.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى