أزمة البحث عن السّعادة – شيروان الشميراني

مسار حياة الانسان في الدنيا عبارة عن البحث عن السعادة القلبية، لا يختلف في هذا المتحضر والمتخلف، المدني و البدوي، هناك من يصيب والكثير يخطئون الطريق.
كانت إحدى المطربات الأوروبيات في إحياء حفلة غناء جماهيري لها في أمسية إيطالية، يقال إنها كانت “مارلين مونرو”، بعد الحفلة والغناء الصارخ المصاحب لتمايل الأجساد، ذهبت إلى طبيب نفسي، باحثة عن علاج ما يؤرقها ويُذهِب عنها التمتع مما تملك من وسائل الحياة اليسيرة، عرضت حالتها على الطبيب المختص، وهو الإكتئاب، فقال لها الطبيب ينبغي لك الحضور في إحدى حفلات مارلين للعلاج والترفيه، فأخبرته بإنها هي بنفسها.
بما يتناسب مع مونرو ومئات الملايين غيرها في هذا العالم هو توعدّ رب العالمين في قوله المبارك: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإنَّ لهُ مَعيشَةً ضَنْكا}[طه: 124]. العيش، هو الحياة ويستعمل في امتلاك وسائلها، والضنك، هو الضيق والشدة، ووسائل الحياة لا تقتصر على الماديات التي تحافظ على حيوية الجسد، وإنما كل أبعاد الحياة، فالمُعرِضُ عن ذكر الله يكون عيشه ضيقاً يضيق عليه حياته ويسد عليه أبوابها فيغادرها هاربا من شدّة آلامها القاتلة، وهكذا كانت نهاية حياة مونرو، إنتحرت.
واقعة مونرو تلخص أزمة البحث عن السعادة التي أصبحت القبلة المفقودة للحضارة الحديثة، حيث تحدد الطريق الخطأ الذي تسلكه هذه الحضارة في التعامل مع أبناءها، علماً أنها لخَّصت التعريف عن نفسها بأنها تبحث عن السعادة للبشر، وهناك من أراد تصوير النظام الحاكم له تصويراً عصرياً في العمل من أجل السعادة عبر استحداث وزارات السعادة، وهيئات الترفيه.
الرؤية الغربية الحاكمة تحاول الوصول إلى الجانب المعنوي للإنسان من خلال ثلاثة طرق كلها تمسّ الظاهر منه : –
1- العلم، مع أن العلم مجاله لا يشمل جوهر الإنسان المسؤول عن العواطف والأحاسيس، وله مجاله لا يتعدى الموادّ الخام، المواد المخصصة للبناء المادي، أو الوجه المادي للحضارة، أما المعنويات أو العرفان حسب بعض التعبيرات فهي من عمل الدين، يقول مراد هوفمان: “في هذا الشأن لا يملك العلم قدرة المنافسة مع الدين…فليس الأخلاق وظيفة جسدية، وليس المعنى مستحظر كيمياء حيوي، والحب غير علمي بالمرّة، حقاً لكل من العلم والدين مجاله”.
2- العقل المجرد، أو البحث الفلسفي المبتور عن النظر الجوّاني وحاجاته. ملء الدماغ بالأفكار والرؤى الجافة، في حالة ذهول عن القلب محلّ السعادة الحقيقية.
3- اللذة، أو مذهب المتعة، لذة المال والأضواء والشهرة، لذة المتعة الجسدية، التي أصبحت بلا كابح بعد أن أصبحت جزءاً غير قابل للفصل عن النمط الغربي للحياة، لا الغناء ولا الرقص الساهر، كل ذلك لا يأتي بما يبحث عنه البنية المعنوية للإنسان، لأن الجوهر مقصيّ من البداية عن دائرة الاهتمام.
لهذا نرى التيه الناجم من الفراغ لدى الإنسان الحديث، والإنسان ليس هو المولود الجديد تاريخيا، إنما هو الذي تشكل شخصيته وفق الرؤية الغربية الحديثة، فهو يقضي أيامه ولياليه في عصر هو عصر الفراغ وتمزّق كيان الإنسانية.
الرؤية الإسلامية التي تجسد الحقائق الإسلامية عن الحياة تتخطى التعاطي العلمي المجرد مع الإنسان، وتتجاوز مذهب المتعة المادية بالإعتماد على تلبية رغائب الجسد بلا حدود، إلى النزول لعمق كيان الانسان، وجلّ مكونات هذه الرؤية تشارك في الوصول الى الغايات، وتتكامل فيما بينها أثناء العمل، وتساعد على تبسيطها للفهم والتذكير بها ” فمثلاً في العمارة الاسلامية نجد مبدأ المضمون لا الشكل، أو الباطن لا الظاهر…الحفاظ على الجواهر كما تخفي المرأة المسلمة جواهرها تحت العباءة” [روجيه جارودي- الإسلام الحي-].
والطريق إلى السعادة إسلاميا يكون من خلال الجمع بين العقل والروح، بين إفرازات العقل من العلم والفكر الشامل وبين نزعات الروح، فلحظات السعادة هي التي يتوافق فيها العقل والروح معاً في وقفة واحدة، وقديما قال إبن سينا: ” إنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة عن طريق التفكير النظري أو بقوانين المنطق، وإنما تحديداً من خلال موقف روحاني” فمن يُضيع الطاقة المعنوية كأنه ميت، والميتة روحه لا يشعر بالسعادة القلبية، والقلب هو موطن الطمأنينة والسعادة. وغذاء القلب هو في السّهر المُخْبِت – قيام رمضان -، لا السّهر الماجن.
أكثر من يحتاج إلى التذكير بهذه الحقائق هم الشباب، في ربيع العمر الباحث عن السعادة والراحة، يأسره التكنولوجيا ليلا ونهارا، يسرق منه حتى الشعور بلذة الصيام، ويحوله الى قطعة بلا روح إلا من نجى. يمسي وقد أفل نهار ربيع حياته مع أفول الشمس عند الغروب، من دون شعور لأنه كان تحت تأثير سكر الأجهزة الذكية.
عند حديث المفكر الفرنسي المسلم “رينيه جينو/عبد الواحد يحي” عن أزمة العالم الحديث في كتبه التي تعتبر من أشدّ المنتقدين للحضارة الغربية وبواكيرها، يتحدث عن بوادر تُلَمَّح لخطورة العلوم التطبيقية التجريبية على الحياة الروحية والنفسية، حتى قبل ان تتفشى آثارها كما هي الآن، وذلك بالسيطرة على الوقت، يقول: “وينبغي أن يفهم جيداً أننا لا نريد بذلك أن ننزع لباس المشروعية عن أي معرفة، وإن كانت من المرتبة الدنيا، ولكن غير المشروع هو هذا الفساد الذي يحدث عندما تستغرق هذه الأشياء النشاط الإنساني كله كما نراه فيما حولنا”.
في هذا الوقت يأتي رمضان مسعفا ببرنامج كامل شامل غير منقوص، يؤدي دور الطبيب الخبير بالأنفس، بانحرافاتها وعوائق طريق الصلاح والسلامة فيها، في أول ثانية منه يهزّ الصائم هزّاً، يقطعه كلياً عن الماضي القريب جدّاً، ومن دون حاجة الذهاب إلى الطبيب النفسي أو مراكز العلاج أو دروس ترشيد الوقت، يأتي إليك رمضان من الخالق العالِم بالأنفس ومنعرجاتها، يعيدك إلى الرشد والممارسة الصائبة للحياة، يصفي العقل وينظف الروح ويعدّل النفوس، جاء ليقول لك إنّ هذا هو التوزيع الصحيح لصرف الوقت، وما إنت إلا أوقات ليالي ونهار سنوات عمرك، وإذا كانت مرحلة الشباب هي ربيع عمر الإنسان، فإنّ رمضان هو ربيع مرحلة الشباب، ربيع أرواحهم، ولن تكون كذلك حقاً إلا إذا أودي حقه، وروعي أركانه وشروطه، ف{خُذوا مآ اَتيَناكُم بِقوَّة} [البقرة: 63] قانون لا يعطي المنهج الإلهي ثماره إلا بالتقيّد به.
هي معركة تصحيح مسار الحياة إذاً، الشبيبة هي المرحلة المستهدفة بضراوة، يستعمل فيها الأعداء كل أنواع الأسلحة، وعن هذه المعركة التي يخوضها الشباب، يأتي قول الله سبحانه عن طبيعتها، واطرافها، والغايات منها، {وَالله يريدُ أنْ يَتوبَ عليكُمْ وَيُريِدُ الّذين يَتَّبِعونَ الشَّهَواتِ أنْ تَميلوا مَيْلاً عَظيما} [النساء: 27].





