مقالات رأي

مساهمة المواطن في صناعة التغيير – نورالدين قربال

يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، منها الاختيار الديمقراطي، وتختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم، والقانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.

تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. هذه قواعد دستورية مناريه تطرح على المواطنات والمواطنين دورا استراتيجيا في صناعة التغيير. فكيف يمكن للمواطنات والمواطنين المساهمة في صناعة التغيير انطلاقا من خطاب الدستور: للمواطنات والمواطنين الحق في…؟

تنطلق هذه المساهمة بوعي المواطنات والمواطنين بالأدوار المنوطة بهم دستوريا وقانونيا وتنظيميا، ثم المساهمة الجادة في بناء الديمقراطية التمثيلية عن طريق المشاركة أو الاختيار الحر والنزيه. لأن هذا سيضمن المشاركة الفعالة للمجتمع المدني عن طريق الديمقراطية التشاركية التي تتكامل مع الديمقراطية التمثيلية، وإذا بنيت الديمقراطية التمثيلية بدون شفافية سينهار صرح الديمقراطية التشاركية لأن الخيط الناظم بين المؤسستين أصيب بدخن.

إذا تجوزنا هذه المرحلة بسلام وبحياد السلطات العمومية وجدية الأحزاب السياسية وتأهيل المجتمع المدني أنذاك سنجني الثمار التالية: المساهمة في التغيير انطلاقا من الإجراءات التالية: المشاركة السياسة بكل جدية وواقعية، التدافع المدني الجاد والمثمر، طرح اجتهادات مساهمة في البناء التنموي بشتى أنواعه، تشجيع الشباب وتحفيزه وفتح باب الأمل أمامه، وإعطاء بعدا حمائيا للأفراد والجماعات مما يعود على الأمة بالخير والتيسير.

المواطنات والمواطنون والتغيير الاجتماعي

لا يمكن أن نبني مشاريع تنموية التي تسعى إلى إحداث تغييرات اجتماعية بدون حضور المواطن ومساهمته وتتبعه وتقويمه لأن يد واحدة لا تصفق. لذلك يثبت النموذج التنموي الجديد الذي نادى به جلالة الملك إلى أنه لا تحول اجتماعيا بدون مشارك مواطنة، وهذا هو جوهر التغيير، لأن هذا الاختيار يصنع ويضمن الابعاد البشرية للتنمية المستدامة والمندمجة. هذا الاختيار يمؤسس لمبدأ دستوري هو التشاور الدائم، حتى تصدر القرارات معقلنة ومحتوية لجميع الأصوات مما يضمن الأمن والاستقرار الذي بدونه لا وجود لأي إقلاع، لأن القلاقل تعيق التفاؤل. والنقيض يؤسس للإنتاج والإبداع والتواصل.

إن هذا المستوى الراقي في التواصل بين المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية والمجتمع المدني بناء على الاختيار الديمقراطي، يجعل التدبير العام في مأمن، والسياسات العمومية من إنتاج الجميع، هذا ما عبر عنه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتعزيز مشاركة المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن العام سنة 2024. إن هذه الخطوات تعزز الشفافية والنهوض بديمقراطية أكثر تشاركية وأكثر إدماجا. في هذا الإطار نحن في حاجة إلى ضبط العملية بإطار تشريعي يوحد الجهود، ويعيد منسوب الثقة في المؤسسات. يجب أن نتجاوز التشاور الشكلي مع المجتمع المدني إلى التشاور العميق الذي يعيد المصداقية والمشروعية لبناء مستقبل المصالح العامة وليس الذاتية التي تغتال الثقة لدى المتتبعين والراغبين في التغيير الإيجابي. من تم هناك ضرورة ملحة لإعادة الاعتبار لإشراك المواطنات والمواطنين انطلاقا من تلازمية الحق والواجب المبني على: تبسيط الآليات التشاركية، اعتماد الرقمنة من أجل تخفيف العبء، الجدية والشعور بالمسؤولية، واحترام فضيلة الحوار والتشاور والمخرجات المشتركة، وتوفير الميزانيات المرتبطة بهذا العمل الجاد، واعتماد آليات التشجيع والتحفيز.

المشاركة المواطنة والأفق المستقبلي

كيف نجعل من استحقاقات شتنبر 2026 محطة لمراجعة العلاقة بين التشاركية والتمثيلية؟ كيف نضمن المصالحة بين المواطنات والمواطنين من جهة والمؤسسات السياسية والسلطات العمومية من جهة أخرى؟ أين مبادئ النموذج التنموي الجديد أو المتجدد إن صح التعبير؟ هل نحن قادرون على التحرر من الاحتكارية والانفتاح على كل الأصوات المعبرة عن الغيرة على الوطن؟

أعتقد أن المواطن هو التيمة المركزية للاختيارات الديمقراطية والتنموية، ويقرر مصيره أثناء الاستحقاقات بناء على الكفاءة والنزاهة، مع التفكير الجاد في المصالح الاستراتيجية للدولة المغربية في سياق اللايقين والتحولات الجيو سياسية، فإما أن نكون أولا نكون كما يقول الشاعر الإنجليزي شكسبير. نستحضر في هذا المقام كلاما نفيسا من جلالة الملك: إن مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون. يضيف جلالة الملك في مقام آخر قائلا: فالمواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين، وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم، وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغييرهم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم.

إن من خلال هذين النصين الساميين، فالمواطنات والمواطنون والمجتمع المدني والجمعيات والمنظمات غير الحكومية مطالبة تشريعا وتنظيما بالمساهمة في صناعة القرار التنموي والسياسي، من خلال الدفاع عن الاختيار الديمقراطي أولا وأخيرا لأنه ثابت من ثوابت الأمة، واحترامه من قبل الجميع يفتح الآفاق في إطار الربط بين المسؤولية والحرية.

نخلص مما سبق أن هناك ضرورة ملحة لتبسيط المشاركة المواطنة للمواطنات والمواطنين حتى يصبحوا في قلب المساهمة في التغيير انطلاقا من: المشاركة في اتخاذ القرارات العمومية انطلاقا من مبادئ التوازن والتعاون والتضامن، باعتبار أن التنمية هم مشترك بين الجميع ويد واحدة لا تصفق، والسياسات العمومية ترابية كانت أم وطنية من إنتاج الجميع كل من موقعه والخانة التشريعية آلية تؤطره. بهذا نشرعن لعودة الثقة في المؤسسات، ونملأ الفراغات القاتلة التي تؤثر حتما على أمننا واستقرارنا لأن الطبيعة تكره الفراغ.

إن المسؤولية الملقاة على المواطنات والمواطنين التزام ومسؤولية وتشاور وتكوين وتأهيل وتنظيم ووعي بالديمقراطية التشاركية في علاقتها بالسلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة، وفهم السياسات العمومية وضبط الآليات المتاحة تشريعا وتنظيما وفتح مجالات الإبداع والابتكار واعتماد التعاقد والشراكات، مع التمثل الفعلي لأخلاقيات الفعل المدني.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى