أخبار الجمع العام

قراءة في شعار الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح

ليست الشعارات الكبرى تلك التي تُحسن سبك الكلمات فحسب، وإنما تلك التي تنجح في التقاط روح اللحظة، وتكثيف الرؤية، ورسم الاتجاه. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة شعار الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح: «بالاستقامة ينهض الوطن، وبالمقاومة تعز الأمة«

اختيارٌ يبدو عند التأمل، أبعد من مجرد الجمع بين قيمتين مركزيتين؛ فهو يبني معادلة إصلاحية متكاملة، تبدأ من الإنسان، وتتجذر في الوطن، وتمتد إلى الأمة؛ تنطلق من البناء، ولا تغفل مقتضيات المدافعة.

«بالاستقامة ينهض الوطن»؛ عبارة تختزل تصوراً عميقاً للإصلاح: أن نهضة الأوطان لا تبدأ من المؤسسات والمشاريع والمؤشرات وحدها، على أهميتها، وإنما تبدأ قبل ذلك من الإنسان. فالاستقامة هنا ليست مفهوماً وعظياً منغلقاً على السلوك الفردي، بل قيمة حضارية منتجة: استقامة في الضمير، وأمانة في المسؤولية، وصدق في القول والعمل، وإتقان في الأداء، ووفاء بالعهود.

وحين يستقيم الإنسان، تستقيم معه دوائر أوسع: الأسرة، والمجتمع، والمؤسسة، ثم الوطن. والوطن في هذا التصور ليس مجرد إطار جغرافي تتحقق داخله عملية الإصلاح، بل مجال للبناء والانتماء؛ له حق المحبة والوفاء وخدمة مصالحه والإسهام في نهضته وصيانة وحدته واستقراره. وهكذا يلتقي صلاح الإنسان بواجب العمران، ويصبح الانتماء للوطن مسؤولية عملية تتجسد في البذل والإتقان والمشاركة الإيجابية في بنائه.

ولعل دقة التعبير تكمن أيضاً في اختيار فعل «ينهض»؛ فالاستقامة لا تحفظ الوطن فقط، بل تمنحه أسباب النهوض. وهنا تنتقل القيمة الدينية من مجال التزكية الفردية إلى أفق العمران والإصلاح المجتمعي.

ثم تأتي الجملة الثانية: «وبالمقاومة تعز الأمة»، لتفتح الدائرة من الوطن إلى الأمة، ومن البناء الداخلي إلى المدافعة. والمقاومة، بهذا المعنى الواسع، ليست مجرد موقف مرتبط بظرف عابر، بل هي رفض للاستسلام لكل ما يستهدف كرامة الإنسان وحرية الشعوب واستقلال الأمة وهويتها ومقدراتها.

وفي مقدمة هذه التحديات تظل القضية الفلسطينية بما تمثله من عنوان بارز للعدالة والحرية ومقاومة الاحتلال ونصرة المستضعفين. وقد أعادت تطوراتها إلى واجهة الضمير الإنساني أسئلة القوة والحق والكرامة، وجددت معنى الصمود والثبات ورفض الاستسلام.

لكن معنى المقاومة لا ينحصر في مواجهة الاحتلال والعدوان المباشر. فعالم اليوم يطرح على الأمة تحديات أوسع: انتشار قيم وممارسات تهدد كرامة الإنسان وتماسك المجتمعات، واختلال موازين القوة في النظام الدولي، ومظاهر الهيمنة والاستكبار، واستضعاف الشعوب والتحكم في خيراتها ومقدراتها، فضلاً عن التحديات البيئية التي باتت تهدد مستقبل الإنسان والعمران. ومن ثم تصبح المقاومة وعياً وممانعةً ومدافعةً حضارية، تحفظ للأمة إرادتها، وتصون استقلال قرارها، وتُمكّنها من الإسهام في بناء عالم أكثر عدلاً وإنصافاً.

وهنا ربما تتجلى قوة الشعار أكثر ما تتجلى في الجمع بين الكلمتين: الاستقامة والمقاومة. فلا مقاومة حقيقية بلا بناء أخلاقي يحفظ بوصلتها، ولا استقامة مكتملة تنكفئ على الذات وتتجاهل قضايا المجتمع والوطن والأمة. الأولى تبني الإنسان وتقوّي الداخل، والثانية تحمي الكرامة وتواجه عوامل الاستضعاف.

إنها، بهذا المعنى، حركة في اتجاهين متكاملين: بناءٌ من الداخل ومدافعةٌ في الخارج؛ استقامة تمنح الفعل الإصلاحي قيمه ومرجعيته، ومقاومة تمنحه القدرة على حماية ما يبنيه والدفاع عن شروط استمراره.

ويأتي هذا الشعار في محطة ذات رمزية خاصة: ثلاثون عاماً على تأسيس حركة التوحيد والإصلاح، وجمع عام وطني ثامن يطوي مرحلة ويفتح أخرى. ولذلك يبدو الشعار أقرب إلى خلاصة مسار وتجديد عهد في آن واحد: وفاء لرسالة جعلت من الإنسان الصالح المصلح محوراً، ومن الوطن مجالاً للبناء والانتماء، ومن قضايا الأمة وتحدياتها أفقاً للانخراط والمسؤولية.

إنها كلمات قليلة، لكن هندستها شديدة الدلالة: الاستقامة للإنسان، والنهوض للوطن؛ المقاومة فعلٌ، والعزة أفقٌ للأمة.

وبين وطن ينهض وأمة تعز، تظل رسالة الإصلاح واحدة: إنسان يستقيم، ووطن يُبنى، وأمة تصون كرامتها وتقاوم عوامل استضعافها.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى