مقالات رأي

عن الإصلاح أحكي ولا أفتي – عبد الحق لمهى

ما من شك عند كل مسلم، بأن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]. وقال تعالى ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16].

تعد مفردات ومصطلحات القرآن الكريم، من عموم ما تتحقق به الهداية للبشر، ذلك أن المصطلحات هي جزء من مكون كتاب الله تعالى. إذا تقرر ما سبق في العقول والنفوس، ولم يبق ما يشوش عليه من المشوشات هنا وهناك، أمكن الانطلاق إلى أمر مهم له صلة بما ذكر قبل.

فمن المصطلحات التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، مصطلح الإصلاح:” ولفظ “الإصلاح” لفظ قرآني له دلالات عظيمة. جاء الإصلاح في القرآن والسنة بصيغ متعددة تدل في مجملها على أن دين الله – تبارك وتعالى – يهدف إلى إصلاح الإنسان في الاعتقاد والسلوك والعبادات والمعاملات، واعتَبَر القرآنُ في عدة آيات منه أن الإصلاح مهمة الأنبياء – عليهم السلام – ووظيفتهم الأساسية. قال الله – تعالى – على لسـان شعيب – عليه السلام -: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].”[1]

كما أن الإصلاح واسع المجالات:” والحاصل أنَّ للإصلاح في القرآن ميداناً رَحباً، تضيقُ الخُطَبُ والمقالاتُ عن سَرْدِهِ وتناوُله، ويَكفيه شرفاً وفضلاً أنَّ كلَّ ما أدَّى إلى الطَّاعة وامتثال الأمر والتمسُّك بالكتاب فهو إصلاحٌ والمتحلِّي به هو من المُصْلِحِين {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْـمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170]. “[2]

سبقت الإشارة إلى أصالة مصطلح الإصلاح في القرآن الكريم، وإلى تعدد مجالاته، والناظر في حركة المجتمع المسلم، يجد أن ثمة مشاريع إصلاحية جعلت من القرآن مصدرا لها في عملية الإصلاح فتعددت اهتمامات كل مشروع بجانب من جوانب الإصلاح كما رسمها القرآن الكريم، وهذا أمر محمود قصد إليه الإسلام.

في سياق التفاعل بين مختلف الفاعلين في مجال الإصلاح، تظهر بعض الآراء والمواقف التي تزعم لنفسها أنها على الصواب وأن غيرها مخطئ فيما هو فيه من  العمل الإصلاحي، بحجة  أن الإصلاح في رأيهم يقتصر على جانب واحد قصده الإسلام وهو ما هي عليه تلك الفرقة ” المهتدية”، أما ما عداها من مشاريع الإصلاح التي تهتم بجوانب أخرى من حياة الإنسان المسلم، فهي  ليست على شيء من الموافقة لما ورد به الشرع في قضية الإصلاح، بل أكثر من هذا فقد في لوحظت  حالات من الخلاف الشديد بين مختلف الاتجاهات الإصلاحية، وصلت أحيانا إلى السب والشتم بين الفرق والتخوين وغيرها من الأوصاف المشينة  التي تكاد تخرج بعض العاملين في مجال الإصلاح  من صف دعاة الإسلام. وهذا مما يعد في رأيي انحرافا صريحا عن هدي الإسلام في موضوع الإصلاح، بدليل ما سبقت الإشارة إليه من شمولية الإصلاح لجوانب عديدة، لا جانبا واحدا فقط كما يزعم بعض الغافلين عن حقيقة هذا المفهوم كما وردت في الوحي قرآنا وسنة.

هل يمكن لمصطلح الإصلاح في القرآن الكريم، تقديم حلول لما ذكر من الصراع والخلاف بين مختلف العاملين في حقل الإصلاح، الجواب بكل تأكيد هو نعم، فإذا تبين ان هذا المصطلح القرآني الأصيل، متعدد المعاني والدلالات، مما نتج عنه تعدد المدارس والمشاريع الإصلاحية، فإنه ليس من الشرع ولا من العقل أن يوجد من يدعي لنفسه الصحة فيما هو عليه من مجالات الإصلاح، فيما يرى أن غيره من العاميلين في مجال آخر مجاله، أن هؤلاء على باطل فيما يريدون بلوغه.

إن المصطلح القرآني من خلال ما سبق، يعد فهمه واستيعاب حقيقته، مدخلا أساسيا من مداخل تحقيق التقارب والتوافق بين اتجاهات الإصلاح بمختلف تجلياته، وطريقا فاعلا في سبيل الوصول إلى دفع كل خلاف وعنف مذمومين، كان سببه وعمق جراحه الجهل بحقيقة مفهوم الإصلاح كما ورد بيانه وتفصيل معالمه في القرآن الكريم. ألا فلا يكن القرآن مؤسسا للانسجام بين مختلف الاجتهادات الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية، فيما المسلمون يسعون إلى إحداث مزيد من الخلاف المذموم بينهم، إن القرآن الكريم يدعو المسلم إلى التحاكم إليه عند كل تنازع قال تعالى” ۞فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّيٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِےٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجاٗ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تسليما” (النساء، 64). ومن هذا التحاكم المطلوب في واقعنا اليوم، التحاكم إلى مفهوم الإصلاح وحقيقته كما هي في الوحي، لا كما صنعته ظروف التاريخ وجعلت منه دينا يكون إليه التحاكم عند كل خلاف بين مختلف الاجتهادات الإصلاحية المعاصرة.

فاللهم اجعنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنهم، والحمد لله رب العالمين.

*****

[1] ـ  https://www.albayan.co.uk/MGZArticle2.aspx?ID=1878

[2] ـ https://www.albayan.co.uk/MGZArticle2.aspx?ID=1878

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى