على حافة الهاوية.. إيران تستعد وترمب متردد – أحمد الحيلة

تحشد الولايات المتحدة الأمريكية أساطيلها وطائراتها في المنطقة، بشكل استثنائي منذ الحرب على العراق عام 2003، وتتموضع قواتها في أكثر من دولة حول إيران، وفي الشرق الأوسط اتصالا بأوروبا؛ فمن أذربيجان إلى أرمينيا، والأردن، وإسرائيل، وجزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وعموم الخليج العربي، والتمركز المكثف في قواعد عسكرية متعددة في اليونان، وإسبانيا، وألمانيا، وبريطانيا، بالإضافة إلى حاملات طائراتها الأضخم عالميا.
على وقع ذلك أعلنت إيران تكرارا أنها لا تريد الحرب، ولكنها تتحضر لها وكأنها واقعة في أي لحظة، وأمريكا تكثف حشد قواتها وكأنها مقبلة على حسم إستراتيجي سيغير وجه الشرق الأوسط انطلاقا من المعركة مع إيران، ما يجعل العالم- والشرق الأوسط تحديدا- يعيش حالة من القلق وانعدام اليقين.
سيناريوهات التفاهم والحرب:
سيناريوهات المواجهة بين طهران وواشنطن باتت معدودة، في ظل شد الحبال وتضييق الخناق حول الأعناق، وعلو صوت التهديد والوعيد، ومنها:
- السيناريو الأول: الوصول لاتفاق سياسي على حافة الاستعداد للحرب، وذلك بنزول إيران عند الشروط الإسرائيلية الأمريكية، بالتخلي عن مشروعها النووي، والصواريخ الباليستية التي تصل مدياتها إلى إسرائيل، والتوقف عن دعم أصدقائها في الإقليم كالحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، وحركة حماس في فلسطين.
في هذا السياق، يصعب على طهران قبول الشروط الإسرائيلية الأمريكية بكليتها، فرغم أن طهران تبحث عن مخرج سياسي مشرف من خلال الاحتفاظ بحقها في التخصيب لأغراض سلمية وإن بنسب منخفضة، فإنها ترفض التخلي عن منظومة صواريخها الباليستية التي أثبتت قدراتها الردعية في حرب الـ12 يوما مع إسرائيل.
وحتى لو فكرت القيادة الإيرانية في النزول عند الشروط الإسرائيلية الأمريكية الثلاثة، فإنها- إن فعلت- ستواجه تحديا مصيريا آخر أمام الشعب الإيراني الذي سيحاسب القيادة والنظام ويسائلهم عن سبب تحميل الدولة الإيرانية كل هذا العناء من الحصار والتضييق الاقتصادي، طوال عقود مضت، إن كانوا سيتخلون عن المشاريع الدفاعية الإستراتيجية عند أول منعطف أو مواجهة مع واشنطن، وتل أبيب.
الأهم من ذلك أن القيادة الإيرانية، لا تملك أية ضمانة لبقاء النظام واستقراره إن هي تخلت عن أوراق قوتها، فليس مستبعدا أن تسعى أمريكا وإسرائيل لاحقا، وفي ظل قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، للإطاحة بالنظام الإيراني عسكريا بعد إضعافه، أو داخليا عبر تحريك شرائح من المعارضة الإيرانية وإسنادها بشكل مباشر، كما حدث في أحداث واحتجاجات البازار التي انطلقت في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي.
إن المشهد ذاهب بالمنطقة إلى سيناريوهات تصعيدية إن لم تتراجع واشنطن عن سقف شروطها المرتفع، وهو أمر مستبعد بعد الحشد الهائل للقوات الأمريكية، وفي ظل قيادة إسرائيلية تفرك يديها للحرب.
- السيناريو الثاني: الضربة المحدودة في حال فشلت المفاوضات، لدفع طهران للتنازل والقبول بالشروط الإسرائيلية الأمريكية.
وقد أشارت مصادر أمريكية عدة إلى أن ترمب يدرس هذا الخيار ضمن خيارات أخرى، ولكن مشكلة هذا السيناريو أنه سيعقد مسار المفاوضات وقد يغلق أبوابها، نتيجة الاشتباك وانعدام الثقة بين الأطراف.
من جانب آخر، قد ترى إيران في هذا التكتيك- إن خضعت له- وصفة لسُلم من التنازلات التي لن تنتهي بسيف القوة الأمريكية المفرطة، كما أن إسرائيل ماهرة في تطوير أهدافها أثناء المعارك بناء على ميزان القوة.
وهذا ما يفسر تأكيد إيران؛ أن أية ضربة توجه لها تحت الادعاء بأنها محدودة، ستتعامل معها كإعلان حرب، وستضرب إسرائيل والقواعد والقوات الأمريكية في المنطقة بقوة.
- السيناريو الثالث: الحرب الشاملة بهدف هزيمة إيران وتغيير النظام، أو دفعها للقبول بالشروط الإسرائيلية الأمريكية.
هذا السيناريو يتقدم إلى اللحظة على ما سواه لعدة أسباب منها:
- تمسك إيران، حتى الآن، بموقفها وحقها في التخصيب السلمي وامتلاكها المعرفة النووية، ورفضها التفاوض بشأن صواريخها الباليستية.
- مستوى الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ومحيط إيران، يضع الرئيس ترمب في مأزق، ويصعب عليه النزول عن الشجرة التي اعتلاها دون تحقيق الأهداف، ودونها فإن صورة أمريكا ستتضرر عالميا.
- قيادة الاحتلال الإسرائيلي اليمينية المتطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو ترى في ضرب إيران وإسقاط النظام، فرصة تاريخية، وبوابة للتخلص من حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، ما يعطيها دفعة جديدة لحسم الملف الفلسطيني، ومن ثم التطلع نحو التوسع في الإقليم.
أسباب تردد ترمب وخشيته من الحرب:
الحرب الشاملة قد تكون خيارا مهما لإسرائيل وأمريكا، شرط ضمانة النتائج، واليقين بأن الحرب ستنتهي في أسابيع وتفضي لهزيمة إيران وتغيير نظامها أو قبوله بالشروط الإسرائيلية الأمريكية تامة، وذلك ما سيعزز الحضور الأمريكي في جغرافيا المنطقة، ويعيد رسم الشرق الأوسط وفق المعايير الصهيوأمريكية، وفي مواجهة الصين، وروسيا، ويفتح الباب أمام إسرائيل لتتربع على عرش المنطقة والشرق الأوسط.
أمريكا تستطيع أن تبدأ الحرب وأن تضرب في عمق إيران وأن تدمر الكثير فيها من مقار عسكرية ومصانع وبنى تحتية ومراكز قيادة وسيطرة، ومراكز اقتصادية ونفطية، لكنها قد لا تملك القول الفصل في نهايات الحرب وتداعياتها؛ إن نجحت إيران في التماسك داخليا، على مستوى القيادة والسيطرة والتماسك الشعبي، وإن استطاعت تحويل المعركة إلى حرب استنزاف ضد القوات الأمريكية وإسرائيل التي ما زالت تعاني من آثار حربها على قطاع غزة والتي لم تحسم بعد.
الخشية من عدم حسم الحرب سريعا، جعلت رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية يخطر الرئيس ترمب بفرضية إطالة أمد الحرب مع إيران وتداعياتها على القوات الأمريكية، ما تسبب بحرج لترمب أمام الرأي العام، دفعه لوصف التقارير- التي أشارت إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين عارض خيار الحرب مع إيران- بأنها “أخبار مضللة ومحض افتراء”.
وأوضح أن كين، شأنه شأن غيره من القيادات العسكرية، “لا يرغب في الحرب”، لكنه يرى أن “النصر سيكون سهلا إذا اتُخذ قرار بالمواجهة العسكرية”.
يدرك الأمريكان أن إطالة أمد الحرب سيكون مكلفا اقتصاديا وعسكريا وسيؤثر على علاقات واشنطن السياسية لا سيما مع الدول العربية، وتركيا التي تعارض الحرب، وتدفع باتجاه الحل السياسي، في وقت تخشى فيه هذه الدول من سلوك إسرائيل وقيادتها المتطرفة التي تتطلع لإسرائيل الكبرى، كما تحدث بذلك رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو، والسفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي في مقابلته الشهيرة مع الإعلامي تاكر كارلسون.
كما أن صمود إيران، أمام حرب مفروضة، وإطالة أمدها سيوفران فرصة للصين، وروسيا لاستنزاف الولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة رسم خريطة القوى العالمية، فإيران دولة صديقة لبكين، وموسكو، وهزيمتها تعد خسارة ثقيلة عليهما سياسيا واقتصاديا وجغرافيا؛ بحكم موقع إيران الحساس والمطل على بحر قزوين، والخليج العربي، ومضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الدولية.
الرئيس ترمب عينه أيضا على الجمهور الأمريكي الذي أوصله إلى البيت الأبيض والرافض الحروب الخارجية، حيث تتراجع شعبية ترمب بشكل مقلق قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي المزمع عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، حيث كشف استطلاع رأي أجرته صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع شبكة إيه بي سي الإخبارية وشركة إيبسوس، أن 60% من الأمريكيين يعربون عن استيائهم من أداء ترمب، بينما لم تتجاوز نسبة المؤيدين له 39%.
هذا يعني أن أي خطأ في حسابات الحرب على إيران، قد يفقد ترمب والحزب الجمهوري الأغلبية في الكونغرس، ما سيقيد الرئيس ويجعله كالبطة العرجاء، فيما تبقى له من ولاية رئاسية.
إيران أولا وليس آخرا:
أمام هذا الواقع، تنحسر فرص المفاوضات السياسية لصالح أجواء التصعيد؛ بسبب جنوح ترمب وفريقه الذين يؤمنون بمنطق الأقوى بمعزل عن القانون الدولي والمنظومة الدولية، وبسبب رعونة القيادة الإسرائيلية التي تتطلع لتحقيق أحلامها اللاهوتية باسم الرب والأرض الموعودة بدعم من الإنجيليين الصهاينة الذين يؤمنون بإسرائيل لازمةً لنزول المسيح المخلص.
الحرب على إيران، ليست حربا على دولة بالمعنى الضيق أو القُطري، وإنما هي حرب على ما تبقى من القانون الدولي وسيادة الدول وخصوصية الأمم والحضارات الشرقية، التي يراد لها أن تبقى تابعة ورهينة للعقل الغربي الاستعماري عسكريا وثقافيا وحضاريا.
فنجاح الحرب على إيران سيفتح أبواب الشرق الأوسط لإسرائيل لأن تتقدم خطوات إلى الأمام في تحقيق تطلعاتها الاستعمارية باسم اللاهوت، وأن تقتل باسم “الدين”، بعيدا عن حسابات العقل والعقلانية.
هذا يضع عبئا ثقيلا على الدول العربية والإسلامية، ويحملها مسؤولية تاريخية للحيلولة دون وقوعها، فالحرب إن وقعت- وهذا احتمال قائم- فقد تتمدد نيرانها إلى ما هو أبعد من جغرافيا إيران، وربما يصعب التحكم في مآلاتها وتداعياتها الخطيرة على دول المنطقة بشكل أساس.





