الرئيسية-مقالات رأي

عبد الهادي باباخويا: حركة التوحيد والإصلاح في زمن التحولات بين زمن الصحوة وسؤال الفعل الحضاري

الحلقة الخامسة والأخيرة: أي مستقبل للحركة الإسلامية..؟ من نموذج الصحوة إلى أفق الشهادة الحضارية

ثمة لحظات يصبح فيها سؤال المستقبل أهم من سؤال الماضي، ويغدو الوفاء للتجربة مشروطًا بالقدرة على مراجعتها، لا بمجرد الدفاع عن اختياراتها التاريخية. ولعلنا نعيش اليوم لحظة من هذا القبيل، حيث نحاول قراءة مسيرة الحركة الإسلامية وتلمس آفاق تطورها وتجديدها.

فبعد أن تناولنا النموذج التاريخي للحركة الإسلامية، وتحولات التربية وبناء الإنسان، والعلاقة بين الدعوة والسياسة، وسؤال القيادة وإنتاج النخب، نصل إلى السؤال الجامع: أي مستقبل للحركة الإسلامية، ومنها حركة التوحيد والإصلاح؟ ماذا ينبغي أن يبقى..؟ وماذا ينبغي أن يتغير..؟

السؤال ليس عن استمرار التنظيم أو تجديد برامجه فحسب، بل عن وظيفته التاريخية في مجتمع تغيرت أسئلته، وتوسعت إمكانات التأثير فيه، وتعقدت تحديات الإصلاح فيه.

 فقد تحافظ الحركة على مؤسساتها وأنشطتها وقياداتها، لكنها تظل مطالبة بسؤال نفسها: هل ما تزال تنتج الأثر الذي نشأت من أجله..؟ وهل أدواتها قادرة على خدمة رسالتها..؟

 إن استمرار التنظيم لا يعني بالضرورة استمرار الفاعلية التاريخية، كما أن تجديد الوسائل لا يكفي ما لم يصحبه، تجديد في فهم الرسالة ووظيفة الحركة وأفق عملها.

أولًا- من أين جاءت الحركة الإسلامية..؟ ومن أي أسئلة تشكلت..؟:

لا يمكن التفكير في مستقبل الحركة الإسلامية، دون استحضار السياق الذي نشأت فيه والأسئلة التي حملتها. فالحركات الإسلامية الحديثة تشكلت في سياقات الاستعمار، وأزمة الدولة الوطنية، والتحولات الثقافية والاجتماعية، والتفاوت بين الطموح الحضاري للمجتمعات الإسلامية وموقعها في النظام العالمي.

ففي المشرق، شكل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر سنة 1928 بقيادة حسن البنا، محطة بارزة في نشأة نموذج جمع بين التربية والدعوة والعمل الاجتماعي، ثم اتسع إلى السياسة وقضايا الدولة والمجتمع. وانتشر هذا النموذج بأشكال مختلفة في بلدان عربية وإسلامية، بحسب السياقات والاختيارات والنتائج.

أما في المغرب، فتشكلت الحركة الإسلامية ضمن سياق خاص تداخلت فيه أسئلة الهوية الدينية، وإعادة بناء التدين، ومواجهة آثار الاستعمار الثقافي، والتفاعل مع الحداثة، والبحث عن موقع للإسلام في الإصلاح المجتمعي. فتبلورت اتجاهات إسلامية متعددة منذ السبعينيات، وتأثرت بدرجات مختلفة بالمشرق، لكنها استجابت أيضًا لخصوصيات المجتمع المغربي الدينية والثقافية والسياسية.

وفي هذا المسار، تأسست حركة التوحيد والإصلاح في 31 غشت 1996، عبر اندماج عدة مكونات إسلامية مغربية في تجربة موحدة، جعلت الدعوة والتربية والتجديد وإصلاح المجتمع مرتكزات لمشروعها. فكان لهذا النموذج منطقه التاريخي، حيث احتاجت الحركة إلى بناء العضوية، وتوحيد المرجعية، وتكوين الأطر، وتوسيع الحضور، وتطوير مؤسسات تحمل مشروعها. ولم تكن مركزية التنظيم اعتباطية، إذ كان وسيلة لجمع الجهود وتأطير الأفراد وتراكم الخبرات.

لكن التاريخ لا يقف عند اللحظة التي أنتجت النموذج، فما كان جوابًا مناسبًا عن أسئلة مرحلة معينة قد يصبح، إذا لم يخضع للمراجعة، جوابًا عن أسئلة لم تعد هي الأسئلة نفسها. والوفاء للتاريخ لا يعني الإقامة فيه، بل استيعاب دروسه وتجاوز ما استنفد وظائفه.

ثانيًا- من الصحوة إلى ما بعدها، هل انتهى زمن الحركة الإسلامية..؟:

ارتبطت الحركات الإسلامية المعاصرة بمشروع الصحوة، بإيقاظ الوعي الديني، وإعادة الاعتبار للهوية، وبناء الفرد الملتزم، وتشكيل الجماعة المنظمة، واستعادة حضور الإسلام في المجال العام.. وقد حقق هذا المشروع آثارًا في التدين والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي والسياسي، لكنه واجه أسئلة جديدة حول الدولة والمواطنة والتعددية والحرية والكفاءة والتخصص، وحول قدرة التنظيمات التقليدية على التأثير في مجتمعات سريعة التحول.

وينبغي في هذا الإطار التمييز بين نهاية نموذج الصحوة، ونهاية الحاجة إلى الدين أو الدعوة أو الإصلاح الإسلامي. كما أن مراجعة أشكال الحركة لا تعني التخلي عن المرجعية، واستمرار الرسالة لا يعني ملاءمة النموذج التنظيمي القديم لكل مرحلة.

فقد تبقى الرسالة بينما تتغير طبيعة المجتمع، وقد تبقى المقاصد بينما تتبدل الوسائل، وقد تستمر الحاجة إلى الإصلاح، بينما تحتاج المؤسسة الإصلاحية نفسها إلى إصلاح.

فإذا ركزت الصحوة على إيقاظ الوعي وبناء العضوية واستعادة الحضور، فإن المرحلة الجديدة تسأل: كيف ننتج المعرفة..؟ كيف نبني الثقة..؟ كيف نؤثر في المؤسسات..؟ كيف نربي إنسانًا مستقل التفكير..؟ وكيف نحول المرجعية القيمية إلى مساهمة ملموسة في معالجة مشكلات الناس..؟

لذلك فالسؤال الأدق ليس: هل انتهى زمن الحركة الإسلامية؟ بل: ما الوظيفة التاريخية التي ينبغي أن تضطلع بها الحركة الإسلامية بعد تغير شروط الصحوة وأدواتها ومجالات تأثيرها..؟

ثالثًا- ماذا ينبغي أن يبقى..؟ وماذا ينبغي أن يتغير..؟

تتجنب المراجعة الجادة طرفين: الدفاع المطلق عن التجربة، والقطيعة المتسرعة معها. فالأول يجعل التاريخ مرجعية مغلقة، والثاني يهدر الخبرة ويمزج بين قصور الوسائل وخلل المقاصد. وسنحاول الجواب على السؤالين مع تجنب منطق الطرفين:

أ- ما الذي ينبغي أن يبقى؟:

ينبغي أن تبقى المرجعية الإسلامية مصدرًا للقيم والمعنى، وأن تظل الدعوة والتربية وبناء الإنسان في صميم الرسالة، لا وظائف ثانوية أمام ضغط الأنشطة.

كما ينبغي أن تبقى الأخلاق والعدل والأمانة وخدمة المجتمع، معايير للممارسة والمساءلة، وأن يظل الاجتهاد والتجديد جزءًا من هوية الحركة، لأن الرسالة التي لا تجدد أدوات فهمها وتنزيلها تعجز عن مخاطبة واقع متغير.

ب- ما الذي ينبغي أن يتغير..؟:

ينبغي أن تتغير الأشكال التنظيمية التي تعوق المبادرة، وأن تتجدد المناهج التربوية لفهم الإنسان المعاصر وأسئلته، وأن تتطور العلاقة بالمجتمع بحيث يصبح شريكًا في إنتاج الحلول لا مجرد مجال لاستقطاب الأعضاء.

كما ينبغي إعادة تعريف النجاح، فلا يختزل في حجم العضوية أو عدد الأنشطة، بل يقاس بجودة المعرفة، وعمق التربية، وتكوين النخب، والأثر المجتمعي. وينبغي أن يتسع مفهوم القيادة ليشمل العالم والمفكر والمربي والباحث والخبير والفاعل المدني.

فالتنظيم وسيلة لحمل الرسالة، وليس هو الرسالة نفسها، والمؤسسة إطار لخدمة الإنسان، وليست غاية مستقلة عنه. والاختبار الحقيقي للمراجعة هو: هل تجعل المؤسسة أكثر قدرة على أداء رسالتها، أم أكثر انشغالًا بإعادة إنتاج ذاتها..؟

رابعًا- من نموذج الصحوة إلى نموذج الشهادة الحضارية:

أقترح التفكير في الانتقال من «نموذج الصحوة» إلى «نموذج الشهادة الحضارية»، لا باعتباره شعارًا بديلًا أو مفهومًا مكتملًا، بل أفقًا لوظيفة الحركة: من تعبئة الهوية والدفاع عنها، إلى تقديم نموذج عملي يبرهن على القدرة على إصلاح الإنسان والمجتمع.

فالشهادة الحضارية ليست ادعاء التفوق، بل مسؤولية في السلوك والعدل والوفاء والقيام بالحق:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ – البقرة: 143 –

وتعني أن تقاس قيمة المشروع بما يقدمه للناس، من معرفة وعدل وكفاءة وتضامن، لا بما يمتلكه من شعارات وهياكل. ويمكن أن يتجسد ذلك في خمسة تحولات:

1– من تعبئة الهوية إلى إنتاج المعرفة: فالهوية التي لا تنتج معرفة قد تتحول إلى خطاب دفاعي مغلق، بينما تستمد الهوية الحية ثقتها من التعلم والنقد والإبداع ومواجهة الأسئلة الصعبة.

2– من تكوين العضو إلى بناء الإنسان: فالتربية لا ينبغي أن تنتج أفرادًا يحسنون الاندماج في التنظيم فقط، بل إنسانًا متوازنًا، مسؤولًا، مستقل التفكير، قادرًا على خدمة أسرته ومجتمعه ووطنه، داخل الحركة أو خارجها.

3– من صناعة المسؤولين إلى إنتاج النخب: فالمشروع الحضاري يحتاج إلى علماء ومفكرين ومربين وباحثين وخبراء وقادة مجتمعيين، ولا ينبغي أن يكون تولي المسؤولية التنظيمية شرطًا للاعتراف بالكفاءة أو لتحقيق التأثير.

4– من مركزية التنظيم إلى رحابة المجتمع: فالمجتمع ليس مادة للتجنيد، بل فضاء للتفاعل والشراكة والتعلم. لذلك ينبغي توسيع العمل ليشمل التربية والثقافة والتعليم، والبحث والعمل المدني والتطوعي والمبادرات المحلية والفضاء الرقمي، في شراكات تحترم استقلال الفاعلين.

5– من ادعاء امتلاك الحلول إلى المشاركة في بنائها: تواجه المجتمعات مشكلات مركبة، في التعليم والاقتصاد والأسرة والشباب والصحة والبيئة والثقة في المؤسسات. ولا يكفي امتلاك موقف أخلاقي منها، بل ينبغي فهمها وإنتاج المعرفة بشأنها واقتراح حلول قابلة للتنفيذ والتقويم.

وهنا يصبح معيار الفاعلية الحضارية، الجمع بين وضوح المرجعية وعمق المعرفة، وبين نزاهة الممارسة وجودة الإنجاز، وبين الانفتاح على المجتمع وبناء مؤسسات لاستمرار وتطور التنظيم.

خامسًا- حركة التوحيد والإصلاح في أفق العشرين سنة القادمة:

ينبغي ألا يقتصر السؤال على البرنامج التنظيمي المقبل، بل يمتد إلى تصور استراتيجي لما تريد الحركة أن تكون عليه بعد عشرين سنة: هل تظل إطارًا لتأطير الأعضاء والأنشطة فقط، أم تصبح أيضًا فضاء لإنتاج المعرفة وتأهيل النخب وبناء المبادرات والشراكات..؟

لا يعني ذلك اختيار وظيفة واحدة، بل إعادة ترتيب الأولويات وتحديد المجالات التي تضيف فيها الحركة قيمة نوعية، والتمييز بين ما تقوم به مباشرة وما يتحقق بالشراكة.

ومما ينبغي العمل عليه في المستقبل من طرف الحركة:

أ- تجديد وظيفة الحركة ورسالتها الاجتماعية:

ينبغي أن تجيب الحركة عن سؤال: ما الذي يحتاجه المجتمع المغربي منها اليوم..؟ وما المشكلات التي تستطيع الإسهام في حلها..؟ وما القيمة التي تضيفها في التربية والثقافة والتماسك الاجتماعي والعمل التطوعي وبناء الثقة..؟

فالانتقال إلى الشهادة الحضارية يقتضي حضور المجتمع في تحديد الأولويات، لا أن يكون مجرد متلقٍّ لبرامج داخلية.

ب- بناء منظومة دائمة لإنتاج المعرفة والقيادات:

لا يمكن بناء مستقبل مختلف بأدوات، لا تتيح التخصص والبحث والاستقلال الفكري. لذلك تحتاج الحركة إلى الاستثمار في البحث العلمي والدراسات الاجتماعية، والتكوين المتخصص والتفكير الاستراتيجي وإعداد القيادات الشابة، مع فتح المجال للكفاءات لتطوير مشاريعها دون ربط التأثير بالترقي التنظيمي وحده، فالقيادة المستقبلية تُبنى عبر سنوات من التعلم والتجربة والمساءلة.

ج- تطوير التنظيم من أجل توسيع المبادرة:

ليس المطلوب تنظيمًا أكبر، بل تنظيمًا أقدر على أداء رسالته، عبر تبسيط المساطر، وتوسيع المبادرة المحلية، وتطوير العمل الرقمي، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج، وإتاحة المجال للمبادرات المتخصصة والشراكات المستقلة.

د- إعادة بناء العلاقة مع المجال العام:

تحتاج الحركة إلى شراكات مع الفاعلين المدنيين والتربويين والثقافيين، والمشاركة في النقاش العمومي بالحجة والمعرفة، واحترام التعدد، وتوسيع التعاون حول القضايا المشتركة. ولا يعني ذلك تذويب الهوية، بل تحويل المرجعية إلى مصدر للإسهام لا حاجزًا أمام الحوار.

ه- إرساء ثقافة المراجعة والتقويم المستمر:

ينبغي ألا تظل المراجعة مرتبطة بالمؤتمرات أو الأزمات، بل أن تصبح جزءًا من الثقافة المؤسسية: تحديد الأهداف، وقياس النتائج، والاستماع إلى المستفيدين، والاعتراف بالأخطاء، وتعديل المسارات.

ولعل الجمع العام الوطني الثامن، المقرر أيام 23 و24 و25 أكتوبر 2026، يمثل محطة مناسبة لطرح هذه الأسئلة حول مستقبل الحركة وأولوياتها. لكن قيمة أي محطة لا تقاس بقراراتها فقط، بل بما تفتحه من أفق وقدرة على التعلم والعمل.

خاتمة- الوفاء للرسالة يقتضي شجاعة التجاوز:

لا يتوقف مستقبل الحركة الإسلامية على بقائها أو زوالها، بل على قدرتها على تحويل مرجعيتها إلى أثر، وتاريخها إلى حكمة وحكمتها إلى عمل. فالمطلوب ليس تكرار النموذج ولا القطيعة معه، بل حفظ مقاصده وتجاوز ما استنفد وظيفته.

فتبقى المرجعية، والتربية، والعدل، والأمانة، وخدمة الإنسان، والاستعداد للتجديد. وتتغير كل وسيلة تعوق المبادرة، أو تضيق مجال المعرفة، أو تجعل التنظيم غاية بدل أن يكون أداة. ويظل معيار النجاح هو ما تضيفه الحركة إلى حياة الناس: معرفةً، وثقةً، وكفاءةً، وتضامنًا، وحلولًا قابلة للإنجاز.

إن الوفاء الحقيقي لجيل المؤسسين لا يكون بإعادة إنتاج اختياراتهم، بل بامتلاك شجاعتهم في الاجتهاد والمراجعة. فالمؤسسات الإصلاحية لا تُقاس بما ورثته من تاريخ، بل بما تفتحه من مستقبل.

ومن هنا تبدأ الشهادة الحضارية: حين يصبح حضور الحركة في المجتمع دليلًا على أثرها، لا مجرد دليل على بقائها. ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، عليها أن تحدد أولوياتها، وتبني مؤشرات لقياس أثرها، وتطلق مبادرات عملية، وتوسع شراكاتها، وتراجع نتائجها بانتظام. فالمستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى خطوةً خطوة.

أخبار / مقالات ذات صلة